الجزائر وقطر.. جفاء إعلامي وود سياسي

الأربعاء 2017/06/21

المدح الذي تُكِيلُه الدَّوحة هذه الأيام للجزائر على خلفيّة موقفها الداعي إلى الحوار بين الدول الخليجية الثلاث (السعودية والإمارات والبحرين) ومصر من جهة، وقطر من جهة ثانية، بعد المقاطعة التي تعرضت إليها هذه الأخيرة نتيجة اتهامها بدعم الإرهاب، يثير الاستغراب، ذلك لأن العلاقة بين الدولتين لم تكن علاقة ودٍّ في المطلق، إذا استثنينا السنوات الأولى من الأزمة في الجزائر حيث لقيت دعما اقتصاديا من قطر، وإن كانت هذه الأخيرة قد قامت في نفس الوقت بدعم إعلامي للجماعات الإرهابية منذ إنشاء قناة الجزيرة في 1996، ومنذ ذلك التاريخ إلى الآن تميّزت العلاقة بين الدولتين بنوع من الجفاء الإعلامي، وبالود السياسي النسبي المتغير، ما يعني ثبات الشق الإعلامي وتغيّر المواقف السياسية.

إن المًتَّتبِع لتلك العلاقة، غير السوية، بين البلدين خلال السنوات الأربع الأخيرة من عمر الأزمة الجزائرية (1996-2000)، يجدها تأخذ طابع التدخل القطري في الشؤون الجزائرية لدرجة الاستفزاز، ومن الجانب الجزائري تنتهي إلى اتخاذ إجراءات عملية. ففي تلك الفترة كان النظام الجزائري يعاني من ضغط إعلامي من منظمات حقوق الإنسان بعد المجازر المتكررة، والتي طرح خلالها سؤال من يقتل من؟ وكانت الإجابة في ذلك الوقت تميل إلى اتهام الجيش الجزائري، دون نفي إجرام الجماعات الدينية المتطرفة.

عملت قطر آنذاك عبر قناة الجزيرة، ضمن سلسلة تحقيقات ميدانية أسهمت في عزوف ونفور الاستثمارات العربية والأجنبية، بل إنها أظهرت الجزائر منتجا ومصدّرا للإرهاب لدرجة أنها كانت تقدم الجزائر بصورة أبشع من تلك كانت تعيشها أفغانستان، والأكثر من هذا حاولت المشاركة في تعميم الفوضى، من ذلك تصويرها لـ“العلم” الجزائري مقلوبا، أي أنه ينظر للداخل وليس للخارج، وقال مراسل القناة آنذاك “هذه الحكومة لم تعرف كيف تسيّر علمها، فكيف تسيّر دولة؟”. والأخطر من ذلك أنها طرحت في استفتاء يدعو إلى المزيد من الإرهاب في الجزائر السؤال التالي: هل أنت مع العمليات الانتحارية في الجزائر؟ وعلى الرغم من أنها قوبلت بنقد شديد من الجزائريين إلا أنها لم تعتذر.

لم تتوقف قطر عن دورها الإعلامي المعادي للجزائر، حتى بعد انتخاب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في أبريل 1999 وواصلت حملتها المختلفة، مما اضطر الجزائر في 30 يونيو 2004 إلى غلق مكتب الجزيرة بشكل نهائي، وذلك على خلفية حلقة برنامج الاتجاه المعاكس شاركت فيها مع الدبلوماسي الجزائري المعارض العربي زيتوت، وفيه اتّهم كبار جنرالات الجزائر بالفساد والعنف، وظل المكتب مغلقا إلى غاية الآن.

وعلى عكس الجفاء في مجال الإعلام، فإن العلاقات الاقتصادية تطورَّت بشكل ملحوظ بين البلدين، كما أن العلاقات بين المسؤولين في الدولتين تميّزت خلال هذه الفترة بنوع من الحميمية، مرفقة بمصالح شخصية كثر الحديث عنها، غير أن تلك العلاقة اهتزت بعاصفة ما سمّي بـ“الربيع العربي” في نهاية 2010، وبلوغ أوجها في 2011، خاصة بعد توفر معطيات لدى المسؤولين الجزائريين الأمنيين والسياسيين، تؤكد على قيام قطر بمحاولات متكررة لاختراق الجزائر.

رهان قطري على دور جزائري في حل أزمتها وهذا مصيره الفشل، لا فقط لأن مطالب الدول المقاطعة لقطر واضحة ومحددة، ولكن لأن دعم تيار الإسلام السياسي هو أحد الدوافع الرئيسة لقطع العلاقات مع الدوحة

وتطورت الأمور بعد ذلك إلى خلاف حاد بين وزيري خارجية الدولتين في لقاءات الجامعة العربية خاصة بالشأن السوري، ولا يزال تطاول وزير خارجية قطر على مراد مدلسي وزير خارجية الجزائر، محفورا في ذاكرة الدبلوماسية الجزائري، وقد تمّ احتواء المواقف بعد توقف الدوحة عن استفزاز الجزائر.

علاقة المد والجزر بين قطر والجزائر مثيرة للانتباه، ذلك لأن تأييد الجزائر للدوحة أو التغاضي على بعض من تدخلاتها في المنطقة مسألة لا تتطابق مع سياسة الجزائر القائمة على رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وأيضا عدم تدخل الدول الأخرى في شؤونها، أو التأثير على أمنها الوطني، وهذا عكس ما تقوم به قطر في ليبيا، فهي تدعم الميليشيات المتقاتلة هناك، ويبدو أن الجزائر تنطلق من تجربتها الذاتية لجهة الاعتراف بتنظيم الإخوان المسلمين – حركة مجتمع السلم حمس- شريكا في العمل السياسي وأنه قوة إسلامية وقفت إلى جانب الدولة الجزائرية في محاربتها للإرهاب، يضاف إلى ذلك تأثير التجربة التونسية من خلال إشراك حركة النهضة في الحكم، وهي تراهن على تكرار التجربة في ليبيا، وربما لهذا السبب نرى تشابها في موقف الدولتين -الجزائر وقطر- إزاء ما يحدث في المنطقة المغاربية يصل أحيانا إلى التطابق، مع أن تدخل قطر في شؤون دول المنطقة يؤثر سلبا على مساعي الجزائر ودورها الاستراتيجي.

اليوم هناك رهان قطري على دور جزائري في حل أزمتها، وهذا مصيره الفشل، لا فقط لأن مطالب الدول المقاطعة لقطر واضحة ومحددة، ولكن لأن دعم تيار الإسلام السياسي هو أحد الدوافع الرئيسة لقطع العلاقات مع الدوحة، وما تقبل به الجزائر بناء على تجربتها لا يحظى بالقبول من الدول العربية الأخرى، خاصة السعودية والإمارات والبحرين ومصر، وقد يتحول الجفاء الإعلامي القطري إلى ود تجاه الجزائر، نظرا لما تقتضيه طبيعة المرحلة، لكن لن يقضي على تراكمات دامت سنوات، ولا شك أن الجزائر جادَّة في دعوتها للحوار بين الأشقاء، لكنها وبغض النظر عن تجربتها تجاه الإسلاميين ومواقفها منهم تواجه صعوبات جمة منها رفض الدول العربية الأخرى لأي دور للإخوان المسلمين، وعدم الدخول في حوار مع أي قوى إسلامية تحمل السلاح، وأيضا تأثيرات اعترافها أو تحالفها مع الإسلاميين على مستقبل المنطقة خاصة ليبيا.

لن تعمر علاقة الود الإعلامي بين الجزائر وقطر طويلا رغم ما تروج له الدبلوماسية القطرية هذه الأيام، والطرفان غير مقتنعين بأدوارهما، فلا الجزائر مستعدة للقبول بأي دور قطري في ليبيا ولا قطر قادرة على فك الارتباط بالجماعات الدينية الإرهابية والسلمية لأنها مكلفة بمهمة دولية في هذا الإطار، وقريبا سنشهد بعد أن تحل الأزمة عودة قطر إلى أسلوبها في التعامل وسيتبع ذلك بعودة الجفاء الإعلامي وقد ينتهي معه الود السياسي.

كاتب وصحافي جزائري

8