الجزيرة إنكليزي تعود إلى إعلام ما قبل الحقيقة

السبت 2014/11/08
القناة القطرية تعيد كتابة تاريخ نفسها

لندن – احتفلت قناة الجزيرة القطرية هذا الأسبوع بعيدها الثامن عشر، وقد عمقت اتجاهها المتمثل في الانتصار لتيارات التطرف والإرهاب، وفي طليعتها تنظيم الإخوان المسلمين. ووصل الأمر إلى ذروته حين ظهر تعاطف القناة علنا مع تنظيم داعش، لتتحول بذلك إلى منبر لخدمة تيارات التخلف والتكفير.

أثارت تصريحات آل أنستي مدير قناة الجزيرة الإنكليزية، حول حيادية القناة وعدم خضوعها للأجندة القطرية، تهكمات المتابعين الإعلاميين، واصفين إياها بإعلام “ما قبل الحقيقة”.

وقال أنستي في حوار مع صحيفة الإندبندنت البريطانية “إن الحكومة القطرية لا تتدخل فيما تبثه القناة حول تنظيم الدولة الإسلامية، وكيفية تغطية القناة لهذا الموضوع”، مثيرا جملة من التساؤلات حول كلام يتعارض مع خطاب إخباري معلن.

وأضاف في الحوار الذي أجراه إيان بوريل محرر الشؤون الإعلامية أن القناة غطت بعض المواضيع القطرية التي تعتبر محرجة للحكومة، بينها ادعاءات الرشوة في ملف مباريات كأس العالم لعام 2022، وادعاء استغلال العمالة الأجنبية في الإمارة الخليجية.

وأكد أنستي أنهم لا يقومون بفرض رقابة على أي شخص يخص قطر، ورغم أنهم ممولون من الحكومة القطرية إلا أنهم جزء من قناة الجزيرة العربية التي تأسست قبل 18 عاما “كصوت مستقل في منطقة مضطربة”.


تصريحات تصطدم بحقائق


غير أن الحقائق لا تدل على ذلك فقد تناسى أنستي استياء محرري قناة الجزيرة الإنكليزية من تدخل إدارة القناة في قطر لتحييد موضوعية الأخبار، عبر إعادة تحرير تقرير العام الماضي للتركيز على تصريحات أمير قطر السابق حول سوريا في الكلمة التي ألقاها خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

الشيخ حمد آل خليفة: القادة العرب تعلموا حقيقة أنّي عنيد وعليهم أن يقبلوا بقناة الجزيرة

وذكرت تقارير صحفية تداولتها الصحف الإنكليزية أن مدير الأخبار صلاح نجم أمر في اللحظة الأخيرة بإعادة تحرير تقرير لتتصدره تصريحات أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وجعل تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما في النهاية.

ولم تهتم إدارة القناة باحتجاج الصحفيين العاملين في قناة الجزيرة الإنكليزية، وتمت إعادة تحرير التقرير البالغة مدته دقيقتين ووضعت تصريحات الشيخ حمد أولا وتصريحات الرئيس الأميركي أوباما في نهاية التقرير، على الرغم من أن تصريحات أمير قطر هي “تكرار لما قاله سابقا”.

وعرّض التدخل من قبل إدارة القناة لإبراز خطاب أمير قطر بشأن التدخل في سوريا في التغطية الإخبارية، استقلالية القناة للمساءلة والحفاظ على صورتها كتلفزيون مستقل.

وكانت إدارة موقع الجزيرة الإنكليزية على الإنترنت سحبت في مايو 2013 مقالا للباحث والأكاديمي الفلسطيني في «جامعة كولومبيا» الأميركية جوزيف مسعد.

وقال مسعد حينها إن إدارة الجزيرة رضخت لضغوط وانتقادات صهيونية.

وأثارت الخطوة حالة من الاستياء والغضب الشديدين في أوساط صحفيي الجزيرة فيما اعتبروه تراجعا خطيرا عن سياستها التحريرية.

ما أجبر القناة على إعادة نشر المقال المذكور وقتها بعد جدل واسع حول الرقابة السياسية التي تفرضها القناة على وجهات النظر المختلفة مع توجهات قطر.

وفيما يشبه الاعتذار كتب عماد موسى مسؤول التحرير في موقع الجزيرة الإنكليزية “إن الجزيرة التي تطالب بالشفافية من مراكز القرار حول العالم تحتاج إلى التقيد بها هي ذاتها أيضا”.

كما حذفت الجزيرة أيضا مقالا بعنوان “مسألة دحلان The Dahlan Factorبعد ساعات من نشره دون توضيح الأسباب، وبعد ذلك أشار موسى إلى أن المقال لا يلبي معايير الجزيرة القانونية نظرا لوجود عناصر يمكن اعتبارها ضمن التشهير والقذف.

وبسؤاله عن سبب نشر المقال بالأساس، أجاب أن هناك “ثغرات في أسلوب عمل الفريق التحريري”.


سن الرشد


وتبدو الانتقادات التي واجهتها الجزيرة وتذمر المحررين في الخدمة الإنكليزية، ملاحظة “صغيرة” بالمقارنة مع الانتقادات التي توجه للخدمة العربية للجزيرة التي تحولت إلى لسان حال التنظيم العالمي للإخوان المسلمين ومن يدور في فلكه من تنظيمات إسلامية متحزبة وأداة من أدوات السياسية الخارجية القطرية.

ويرى متابعون أن الجزيرة تنازلت على قيمة الأخبار في معالجات كثيرة تحت ضغط مصالحها الإعلامية، وللتوافق مع الخطاب السياسة القطري الساعي لفرض هيمنته بدعم الحركات الإسلامية.

الجزيرة لا تزال القناة الوحيدة التي بثت رسائل أسامة بن لادن، ولا تزال تبث الرسائل الصوتية لخلفه أيمن الظواهري

ووصفت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” دولة قطر بأنها بلغت سن الرشد وتقوم حاليا باستعراض “عضلاتها المالية” للإسهام في تغيير الأنظمة في البلدان العربية وتمويل الأحزاب الإسلامية للوصول إلى الحكم. وذكرت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن قطر تسعى لتعزيز نفوذها السياسي عبر قناة الجزيرة.

وكان أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قد قال لصحيفة فاينانشال تايمز “إن القادة العرب تعلموا حقيقة أنّي عنيد ولا أتراجع وعليهم أن يقبلوا بقناة الجزيرة”.


منبر التطرف


وتعرضت المحطة وخاصة الخدمة الإنكليزية لانتقادات شديدة، ففي نشراتها الإخبارية المقدمة على مدار اليوم، كما في شريط الأخبار المثبت في أسفل الشاشة، تنفرد قناة الجزيرة القطرية بعدم تسمية تنظيم “داعش” بهذا الاسم المختصر، مثلما يفعل السواد الأعظم من القنوات الفضائية والصحف، في البلاد العربية والعالم، مصرة على تسميتها “الدولة الإسلامية”!

كما تضع القناة في الشريط المكتوب من غرفة التحرير والمبثوث على الشاشة مزدوجين على عبارة إرهاب “دليل التحفظ” كلما اقترنت هذه العبارة بوصف أفعال داعش.

ويقول متابعون “لا يعزى عدم ذكر الجزيرة لتسمية داعش إلى خوفها من تهديد الأخيرة من الانتقام من العاملين في القناة مثلما فعلت مــع موقــع التــواصل الاجتماعي تويتر، كما لا نعتقد أن القنــاة أرادت بهذا أن تتحرى الدقة في التعيين وتوخي المهنية، لأنها –هي نفسها– لم تعودنا على تسمية الحركات الفلسطينية مثلا كـ“حماس” مثلا بحركة المقاومة الإسلامية ولا تسمية “فتح” بحركة التحرير الوطني الفلسطيني”، ليؤكدوا “الجزيرة تريد ترسيخ تسمية “الدولة الإسلامية” في وعي المشاهدين”!

ولا يخفى الانحياز الصارخ للقناة لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين، بل يذهب كثيرون إلى القطع بأنها قناة التنظيم الدولي.

وشكلت شبكة الجزيرة عنوانا مفصليا في أزمة الخليج، أو ما يتعارف عليه بأزمة قطر مع جيرانها، هذا العام، وكان من شروط “الصلح” تعديل مسار القناة، المغرّدة خارج السرب بشكل مسيئ ومزعج ولا علاقة له بحرية التعبير.

ويقول مراقبون إن “دور القناة إعلاميا في غاية الخطورة، وأقل ما يمكن أن يوصف به هذا الدور أن القناة تضع نفسها تحت تصرف مشاريع العنف والتكفير والفتنة والحرب الأهلية”. كما أنها تعتبر منبر حركات “الإسلام الحزبي” و”الإسلام الجهادي”.

ويستدل ذلك من سوابق الإخوان والقناة معا، فالإخوان يعتبرون التنظيم الأم لجماعات العنف والتكفير، مثل “الجهاد الإسلامي” و”الجماعة الإسلامية” و”الجماعة الإسلامية المسلحة”.

آل أنستي: الجزيرة الأنكليزية جزء من القناة العربية التي تأسست قبل 18 عاما

وفي سوريا تحالف الإخوان المسلمون السوريون مع “جبهة النصرة” (الفرع السوري لتنظيم القاعـدة)، واستماتــوا في الدفاع عنها عندما صنفتهـــا الإدارة الأميركية على قائمة الإرهاب معتبرينها حـركـة “جهاديـة”. كما أن الجزيرة لا تزال القناة الوحيدة التي بثت رسائــل أسامــة بن لادن، ولا تزال تبــث الرسائل الصوتية لخلفــه أيمن الظواهري، كما أنها تلمّع صورة “أنصار الشريعة” والجماعات المسلحة في ليبيا، وتدافع عنهم في مواجهة الجيش.

وتعتبر القناة أيضا المنبر الإعلامي الأول للقاعدة في اليمن و“القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” مثلما كانت منبر أبي مصعب الزرقاوي و“القاعدة في بلاد الرافدين”.

وكان رجل الدين المصري الذي يحمل الجنسية القطرية يوسف القرضاوي قد “زعم” أن الثورات العربية في تونس وليبيا ومصر وسوريا قد ظهرت إثر تحريضاته المتصاعدة من منبر قناة الجزيرة.

ونقلت صحيفة “فاينانشال تايمز” عن القرضاوي قوله “كنا من بين الذين دعوا للثورة، ولعبنا دورا مهما قبل الثورات وبعدها وسنمارس هذا الدور في المستقبل أيضاً… وعلى الناس أن يتغيروا من الداخل وسيستجيب القدر”، وفق تعبيره.


تغير قطر ليس ضمن الأجندة


غير أن الجزيرة المهتمة بتغييرات الدول من الداخل أغفلت تغييرات قطر، فقد تجاهلت مثلا عدم التزام الدوحة باتفاق الرياض الذي وقّعت عليه، وتجاهلت الحكم القضائي الغريب على الشاعر القطري محمد بن الذيب بالسجن المؤبد بسبب قصيدة، وتجاهلت نشوء معارضة قطرية متصاعدة في الداخل والخارج.

كما تجاهلت التقارير الموثقة بالأسماء والمعلومات والأرقام لتورط شخصيات قطرية في دعم الإرهاب، والمنشورة أخيرا في كل من “التليغراف” و”الغارديان” البريطانيتين، في حين أن الجزيرة لا يمكن أن تفوت أي تقرير كاذب ومختلق بحق جيران قطر.

وقال إيلي عون رئيس “ايبسوس ميديا سي. تي” التي تراقب سوق الإعلام بالشرق الأوسط إن الاضطرابات زادت الطلب على المنافذ الإخبارية المستقلة وإن بعض المشاهدين العرب يرون الجزيرة الآن على أنها تبث وجهة نظر واحدة.

18