"الجزيرة" والاغتيال الثاني

الأربعاء 2014/11/05

وفي هذه المرّة كذلك، فعلتها حبيبتنا “الجزيرة”، وحاولت أن تُبرّئ الإرهاب من الإرهاب، وأن تغيّر وجهة الحقيقة إلى ما يخدم أجنداتها التي لم تعد خفيّة، بكثير من الصفاقة وفقدان اللياقة، فقد بثت فيلما عن شكري بلعيد، القيادي التونسي المعارض الذي اغتيل في فبراير 2013، والذي سمّته باليساري المتشدد على وزن الإسلامي المتشدد دون أن تذكر أنه ينتمي إلى “داعش”، وقالت إنها بحثت واستقصت وحقّقت وفتّشت وركضت ولهثت في سبيل الوصول إلى الحقيقة التي تعنيها وبالشكل الذي يرضيها، فهدفها أن يقتنع الشعب التونسي أثناء فترة الانتخابات بأن قاتل بلعيد ليس سلفيا جهاديا ولا إخوانيا ولا داعشيا ولا إسلاميا، وإنما سائقه وزوجته وطرف آخر لا يزال يأكل الكافيار ويدخّن السيجار ويحارب الربيع العربي من وراء الستار.

هذا الطرف الآخر، يبدو أنه يريد توريط الإسلاميين المساكين الذين لا يهمهم إلا أن يخدموا الوطن والدين، وحسب فيلم “الجزيرة” فإن خيطا آخر يشير إلى أن قاتل شكري بلعيد، قد يكون سائقه المتطوّع الذي ينتمي إلى حزبه وفكره وقناعاته، وقد تكون زوجته التي تقول القناة العظيمة المتخصصة في كشف الجريمة، إنها كانت على علاقة عاطفية مع مخرج أفلام سينمائية، ولكن المخرج مات قبل شهور في حادث مرور، وهذا يعني أن صاحبنا الأول الذي يأكل الكافيار ويدخّن السيجار ويحارب الربيع العربي من وراء الستار، هو الذي قضى عليه بما لديه من علاقات عريقة مع أجهزة الدولة العميقة.

بهذا الفيلم، ضربت “الجزيرة” مجموعة عصافير نادرة في ساعة تليفزيونية واحدة، فقد اتهمت رجل الأعمال الشهير الذي يقال إنه عدو أصيل للنهضة والمرزوقي، وأنه صانع الرؤساء، ورئيس حكومة الظل، وصديق بن علي القديم، واتهمت السائق ومن ورائه الحزب والرفاق، واتهمت الزوجة وصديقها المخرج السينمائي، واتهمت الداخلية والقضاء بالتواطؤ والتآمر على الحقيقة، واتهمت الشعب بالغفلة والغباء، واتّهمت من تسمّيها بالدولة العميقة بأنها تستهدف الإسلاميين من إخوان وسلفيين جهاديين.

وكان الهدف أن يتزامن عرض الفيلم مع الانتخابات، فتمتلئ صناديق النهضة بالأصوات، لا يهم هتك الأعراض، لا يهم تزوير الوقائع، لا تهمّ تبرئة المجرم وتجريم البريء، لا تهمّ الإساءة للأموات، فحبيبتنا “الجزيرة” تنطلق من غرفة عمليات الإخوان، تتمتّع بالرقص على المآسي طالما ذلك يخدم الإسلام السياسي، وهي لا ترى في الكذب ما يضير، ما دامت في حرب مفتوحة، والإسلام يبيح الكذب في الحروب حسب ما يقول الدعاة واتحاد المصالح والحسابات.

رحم الله شكري بلعيد، فقد اغتالوه مرّة ثانية، وحاولوا قتل رمزيته في نفوس التونسيين، ولكن سقطت المؤامرة بسقوط الإخوان المسلمين، واكتشف الشعب التونسي أن له عدوة تتربّص به من بعيد ومن قريب ومن فوق السحاب وتحت التراب اسمها “الجزيرة”.

24