الجسد البشري يستعرض ثراءه الجمالي في معرض عراقي ببروكسل

الأربعاء 2015/04/08
فنان يحول كل ما يلتقطه بعدسته البشرية إلى رؤى مجردة

عندما تقف أمام لوحة للفنان العراقي المقيم في بلجيكا ستار نعمة تشعر أن مكوّنات اللوحة وكأنها تسعى إلى الطيران في محاولته للانعتاق من كل ما يحيط به، فالعملية الإبداعية عند نعمة لا تحتاج خطوطا حمراء أو أسلاكا شائكة، فهي خلاصة الفسحة النقية الصافية الصادقة بعيدا عن كل التراكمات الأخلاقية والأيديولوجية، ومن هنا تكمن الرغبة في التحليقِ بعيدا عن كل شيء، فالمتلقي يقف أمام منتج إنساني صادق جدا وغير خاضع، فيتمتع بالحرية الكاملة والرغبة في الذهاب بعيدا، بحثا عن الجسد الذي يخفيه ستار نعمة بين لوحاته.

لوحات تجريدية تعبيرية متعددة عرضها ستار نعمة في معرضه الشخصي وسط حضور كبير في العاصمة البلجيكية بروكسل، حيث قدم الفنان العراقي تجربته عبر العديد من اللوحات التي تحاكي الجسد البشري باستخدام واضح لتقنية الألوان الواحدة، أو ما بات يعرف بـ”الإنستليشن” والذي فتح له كما يقول آفاقا جديدة ووسائل تعبير مختلفة.

خرج الفنان من إطار لوحة الحامل والمواد الكلاسيكية في الرسم، ليتعامل مع المادة النقية الطبيعية باعتبارها مفردات لخلق العمل الإبداعي دون الحاجة إلى المواد المصنعة، فكل ما يحيط به يحاول التقاطه بعدسته البشرية ليتحول في ما بعد إلى مشروع عمل ذي بعد تجريدي واضح.

وربما هذا نابع من شعور نعمة بأن كل ما حولنا هو تجريد الحياة بمجملها، تجريد برغم التفاصيل التي تبدو واضحة أحيانا هنا وهناك، التجريد في تجربته يبرز فكرة الغموض الدائم التي نعيشها، كما يدعو إلى التساؤل والبحث والنظر للشكل واللون بعين مختلفة، تتيح التأمل وإشباع رغبتنا المجردة في تلقي الجمال.

نوافذ جديدة

الفن هو حلم بل حلم مستمر كما يراه نعمة، فالحلم عنده زاد المعرفة من خلال تلك الرغبة الصوفية السايكولوجية العظيمة، حين يشرع الوجدان والعقل في الارتقاء إلى ما فوق الواقع لفتح نوافذ جديدة تعمّق روحانية الإنسان وتخلق قصصا وشعرا.

ستار نعمة: اللوحة جاهزة بداخلي من حيث تراكم الرصيد البصري والفكري والتقني

والحلم كما يرى ستار هو ذاك الفعل الغريب المتمثل في فضاء الإبداع باعتباره نشاطا فائضا عن الواقع العادي الممل والروتيني، لذا يستوعب كل ما هو مجنون وجميل ومبتكر، فالألوان الممزوجة تعطي إشارات أزلية تطبع العالم بسحرها بعيدا عن الافتراضية.

نعمة يحاول أن ينقل الواقع كما يراه حرا منعتقا نحو الأفضل، فالجسد البشري بمذكره ومؤنثه هو هاجس ستار، ولكن هذا الجسد غير واضح المعالم فكأنّه يسكن في عمق اللوحة وأمامه الكثير من العقبات والتشابكات.

وهنا يرى ستار أن الإنسان عندما تحسس الجمال في داخله كان بمحاولة الاكتشاف عن طريق الأفكار الدينية والسحرية والتأمل والتصوف، ومن هنا يرى الفنان العراقي أن الجسد هو الأداة الأولى لجرّ تلك الأفكار الروحانية والجمالية من الداخل العميق إلى الخارج الفيزيائي، لذلك يعتقد أن الجسد كان المنبع الأول للتعبير بأشكاله الفنية والدينية، حين لم يكن هنالك انفصال بين الطقوس الروحية الدينية عن الصورة الفنية باعتبارها عملا وجدانيا أيضا.

عندها كان الجسد أداة عظيمة فطرية وجاهزة للتعبير، فتولد الرقص والإيحاء والتشكيل، ومن هنا ربما جاءه الشعور بأن الجسد أداة جاهزة تمتلك تلك الطاقة التي هي امتداد للأفكار الجمالية والروحية المركزة منذ الأزل، حيث لا حاجة إلى الابتعاد كثيرا عن الفطرة الأولى كما يرى فناننا.

اللوحة فارغة مركبة بالبياض المطلق، ولحظتها تبزغ فكرة البدء بالعمل من خلال طريق إبداعي تسلكه، وهذا ما يراه ستار نعمة الذي يشعر دائما بأن اللوحة جاهزة بداخله قبل حتى الشروع بفكرة الرسم كما يقول، جاهزة بمعنى تراكم الرصيد البصري والفكري والتقني.

تبدأ لحظة الانطلاق باندلاق الأشكال والألوان على فضاء اللوحة، حيث يتداخل بعدها التنظيم والقصدية والوعي الذي يتآمر أحيانا ويربك فناننا، على حد وصفه، لشعوره بأن العمل الإبداعي فعل يجب أن يكون نقيا وعفويا جدا، كي يأخذ مساحته الكاملة في روح المتلقي الذي يتفاعل معه دون شروط مسبقة.

الجسد يسكن في عمق اللوحة وأمامه الكثير من العقبات والتشابكات

رؤى مجردة

افتراض ستار غياب الشروط المسبقة لدى المتلقي واضح في الجرأة الكامنة بين الخطوط التجريدية الممتدة عبر لوحاته، والمتمثلة في لجوئه إلى الجسد رغم كل ما يطرح عن عملية الصدام مع المجتمع العراقي الذي ينتمي إليه، حيث يعوّل ستار نعمة على العراق الساكن في عقله الباطن بصفته بلدا متحضرا، يمتلك رصيدا تاريخيا كبيرا يقترب في جوهره من المدنية، وكل التراجع الحاصل اليوم ما هو إلاّ حالة طارئة على بلد الفن والموسيقى والتشكيل والجمال.

وهنا يحدثنا ستار عن معرضه الأخير في العراق بعد غياب طويل امتدّ سنوات عديدة، حيث سمع بعض الأصوات التي تتهمه بالسعي نحو العري والانحلال، ولكن في المقابل وعلى الضفة الأخرى كان هناك جمهور كبير تفاعل مع الفكرة التي طرحها في لوحاته تلك، باعتبار العري حالة انكشاف ومصارحة وباعتباره تصوّفا ودروشة وزهدا أمام حالات العنف والتطرف والرجعية الموجودة في الواقع خارج اللوحات.

من رؤيته المجردة للواقع لا يرى ستار نعمة أن إقحام مفردات البيئة العراقية الصريحة ضرورة في العمل الفني، مع يقينه أن الجسد البشري هو جزء أساسي من البيئة التي ننتمي إليها، فهو خلاصة مشاعرنا وعواطفنا وانفعالاتنا البشرية الخاصة. والفن العراقي اليوم يعيش كما يؤكد فناننا حالة مخاض رهيبة، لأن هذا الكم الهائل من العنف والارتباك المحيط بنا يحتاج إلى استيعاب، وفسحة كاملة من التأمل والمراجعة.

ويرى نعمة في الأخير أن المشهد العراقي لا يسيطر عليه فقط اللون الأحمر، بل هنالك ألوان كثيرة تفرض نفسها على الفضاء الشكلي في العراق، بدءا من الأصفر لون التصحر والجفاف وألوان الصدأ العتيقة، إضافة إلى الأحمر لون العنف والحرب، فبلاد الرافدين اليوم جرح مفتوح وهاجس لا يفارق فناننا رغم محاولاته بأن يكون أكثر قبولا بقدره لكونه عراقي الجذور.

تلك الأرض التي صارت متخمة بالقذائف والديناميت في جنون عبثي رهيب، لا بد أن يتوقف كما يقول ستار الذي يعتبر أنه لا بدّ من الانتباه أيضا إلى أن لون الدم هو ذاته لون الحب والأزهار الجميلة.

16