الجسد الراقص من قدسية المعابد إلى البهجة وسط المآسي

السبت 2015/09/19
عالم من الحركة يعكس المجتمع والثقافة وملامح الحضارة

يربط الكثيرون بين نشأة الرقص والحضارة المصرية القديمة، غير أن رابطاً آخر يعزز هذا الافتراض، هو علاقة المصريين بالرقص ذاته، فلم يعد الرقص مقتصرًا على الأفراح أو حتى الرقص الجنائزي كما كان عند قدماء المصريين، فقد دخل الرقص طورًا جديدًا، حيث سيطر على كافة مناحي الحياة، وأكبر دليل على ذلك ما تبلور في المناسبات السياسية المختلفة خلال السنوات الماضية، حيث تبارت النساء على اختلاف طبقاتهن في الرقص أمام اللجان، وهو ما شكّل ظاهرة تعبيرية جديدة، أكّدت على أن ثمة علاقة من نوع خاص بين المصريين والرقص، وهو ما أشار إليه علاء الأسواني في مقالة بجريدة النيويورك تايمز عن الرقص الشرقي، في مايو 2014، يتعجب فيها من ارتفاع مؤشرات مشاهدة فيديوهات الرقص في مصر، فقد تمت مشاهدة مقطع الفيديو للراقصة الأرمنية صافيناز حوالي 4 مليون مرة، وبالمثل الفنانة اللبنانية هيفاء تمت مشاهدة مقطعها الراقص تقريبًا 10 مليون مرة. وهو ما يؤكِّد على أن الرقص الشرقي يوفِّر نوعًا ما من الارتياح للشعب المصري في ظل الجو المشحون الذي يعيشون فيه.

تاريخ وقصص

العجيب مع هذا الإقبال الشديد على مشاهدة الرقص، أنه في الوجدان العام لا يحظى بالاحترام، حيث يربطونه بانعدام الأخلاق والحياة المنحلَّة، حتى أن القانونيين يقولون إنك إن وصفتَ أحدًا بأنه “ابن راقصة” ستضع نفسك تحت طائلة العقاب، لأن هذه شتيمة.

هناك تاريخ طويل من عدم احترام الرقص الشرقي. ففي كتاب “وصف مصر” الذي كتبه العلماء الفرنسيون إبان غزو نابليون لمصر عام 1798، تم وصف الراقصات بأنهن «نساء دون تأهيل أو احترام للعرف»، كما وصف الكتاب حركاتهن للرقص بأنها «ليس هناك ما هو أشد منها بذاءة». ومحمد على في عهده قام بطرد الراقصات من القلعة، وأوقع عليهن عقوبات، وفي أعقاب الجمهورية عانت الراقصات من تنكيل الحكومة، كما حدث في الستينات في عهد الرئيس عبدالناصر، إذ قررت إدارة الرقابة في الحكومة أن تمنع الراقصات من إظهار الآتي “التمدد على الظهر، عمل حركات سريعة تحرك مشاعر المتفرجين. لا يسمح بمد الساقين بشكل كامل عندما تكون الراقصة على الأرض. منع الحركات الاهتزازية للأعلى أو للأسفل”.

غير أنه خلال الآونة الأخيرة بدأت فيها حملة تنكيل على الراقصات بسبب الإخلال بقيم المجتمع أو التحريض على الفسق، أو إهانة علم مصر كما في حالة الراقصة صافيناز. وأغرب حالات التقييد على الراقصات فتلك التي تأتي من بعض رجال الدين، الذين ينظرون بعدم احترام للراقصات، ومع هذا فلا يتوانى بعضهم عن شراء بدلة رقص لزوجته حتى ترقص له. ويعتبر أنه طالما أن ذلك يحدث داخل العلاقة الزوجية فإنه يُعتبر مسموحًا به، وتنسحب هذه الازدواجية على معظم الرجال في مصر، حيث يعترف بائعو بدل الرقص، أن المقبلات على الزواج يحرصن على شراء بدلة الرقص في جهازهن.

المفكر الأميركي ذو الأصول الفلسطينية إدوارد سعيد يسجل إعجابه بالراقصة تحية كاريوكا فكتب عنها مقالا لافتا بعنوان «تحية إلى تحية» سنة 1990 ضمنه في كتاب "تأملات في المنفي"، عندما زار القاهرة بدعوة من فريال جبوري غزول لإلقاء محاضرة في الجامعة الأميركية، ذهب إلى تحية في شقتها في الدقي مع المخرجة اللبنانية "نبيهة لطفي" التي قدمت فيلما عنها بعنوان "سيرة حياة تحية كاريوكا"

لا تخلو أغنية من الأغاني المصوّرة “الفيديو كليب” من مشهد الفتاة الراقصة التي تتمايل على نغمات الأغنية، وبالمثل لا يخلو فيلم تجاري من وجود راقصة مع مطرب شعبي. ليس ثمة غرابة على حالة الغزو «الرقصي» التي راحت تنتشر في المجتمع، فالمنتج دائمًا يعلن «أن الجمهور عاوز كده» لكن أي رقص هذا؟ هل هو ذاك الرقص الذي استلفت ذات يوم المفكر الغربي ذا الأصول الفلسطينية إدوارد سعيد؟ وراح يُسجِّل إعجابه بإحدى الرّاقصات الشهيرات؛ الراقصة تحية كاريوكا فكتب عنها مقالًا لافتًا بعنوان «تحية إلى تحية» سنة 1990 (ضمّنه في كتاب “تأملات في المنفي” عام 2004)، في أواخر الثمانينات عندما زار القاهرة بدعوة من فريال جبوري غزول لإلقاء محاضرة في الجامعة الأميركية، ذهب إليها في شقتها في الدقي مع المخرجة اللبنانية نبيهة لطفي التي قدمت فيلما عنها بعنوان “سيرة حياة تحية كاريوكا”.

العجيب أن كاريوكا التي رٍآها إدوارد لم تكن هي التي كان الشارع يقف صمتًا حين يعلو صوتها بكلمة “سمارة” في المسلسل الإذاعي الشهير، فعندما زارها كان جسدها قد ترهل وغطت الشعر بحجاب، وحفر الزمن ملامحه عليها. لم يكن المقال حالة انبهار براقصة ومرت، فما إن وفاتها المنية عاد وكرّر الكتابة عنها، مُستكملًا قراءته في تفاصيل هذا الجسد الذي انشغل به، فكتب «وداعًا تحية»، وبقدر ما كانت المقالة مرثية عذبة لتحية التي أُعجب بها وسعى إليها من قبل، كانت في الوقت ذاته مرثية لزمن جميل وجسد قاوم الزمن حتى استجاب لتغيراته، واستكان وهي الصورة التي جسدتها تحية في فيلم «خلي بالك من زوزو» فقد أنابت ابنتها للرقص عنها، بعد حفلة السخرية التي أقامها أصدقاء وأهل حبيب ابنتها الثري، وقصة الأم والابنة في مجملها تعكس التحولات الاجتماعية التي شهدها تطور مصر بعد ربع قرن منذ قيام ثورة 1952، وما كانت تمرُّ به من حالة حراك اجتماعي سريع وغير مسبوق في تاريخها الحديث على حد تعبير الدكتور جلال أمين.

لم يكن ما كتبه إدوارد سعيد، عن الرقص ممثلاً في نموذجه الصافي تحية كاريوكا، هو الحالة الوحيدة أو الاستثنائية، فقد جاء بعده المفكر الاقتصادي المصري جلال أمين، وخصّ الرقص أيضًا في صورة تحية كاريوكا بمقالة أخاذّة في كتابه «شخصيات لها تاريخ»، دون أن يفرقها عن أساطين الفكر والإبداع والسياسة والفن والاقتصاد، الذين تناول حياتهم وتأثيراتهم، فعبّر هو الآخر عن حالة الانبهار التي يُكنها لتحية ولفنها. كما ذهب في مقالته ـ رغم أنه قرنها بالأميرة ديانا في الجاذبية والجمال ـ مذهبًا آخر في قراءته لجسد تحية، حيث راح يقرأ واقعًا اجتماعيًّا كان جسد تحية شاهدًا على تحولاته وتبدلاته، وهو ما اتضح من العنوان الفرعي للمقالة «تحية كاريوكا أو ثمانون عامًا من حياة المصريين». لكن الوقفة الحقيقية التي نَظرت لتحلل هذا الفن جاءت في مقالة المفكر الكبير عبدالوهاب المسيري، ليقرن بين الجسد/الرقص، وبين العولمة، وإن كان المسيري اقتصر في قراءته على الفيديو الكليب الذي اختزل الرقص والغناء في فيديو متحرك يعتمد على إثارة الشهوات وجذب المراهقين لأغان كلماتها مُسفهة.

أغرب حالات التقييد على الراقصات فتلك التي تأتي من بعض رجال الدين، الذين ينظرون بعدم احترام للراقصات، ومع هذا فلا يتوانى بعضهم عن شراء بدلة رقص لزوجته حتى ترقص له

في ظل هذا نتساءل: ما الذي دفع هؤلاء الكبار مع اختلاف أيديولوجياتهم وأيضًا أطروحاتهم التي تناولت الموضوع للتوقف عند فكرة الرقص؟ الجواب يكمن في أنهم نظروا، لهذا الفن نظرة راقية، فجاء احتفاء بعضهم بنموذج مُمثِّل كما عبر إدوارد سعيد وجلال أمين، وتكفّلت نظرة آخرين برثاء ضياع هذا الفن بعد تبدله إلى رقص الفيديو كليب كما فعل عبدالوهاب المسيري. وهذه الحقيقة تأتي استنادًا لأهمية هذا الفن الذي يضرب بجذوره في عمق الحضارة المصرية القديمة.

الحضارة والرقص

لا تخلو دراسة عن الرقص إلا وتربط بين الرقص والذات، حيث تعتبر الرقص إحدى الوسائل الأكثر تعبيرًا عن الذات، لدى الإنسان البدائي، وأقدمها على الإطلاق، وهو رمز الحرية، والمُخلِّص مِن شحنات الغضب والحزن، أو وسيلة للتعبير عن الفرحة أو سبيل لبلوغ النشوة، أو طاقة وجدت لها مخرجًا، وهو أيضًا رياضة للجسد والروح معًا (كما هو عند أتباع الطرق الصوفية)، وذهب بعضهم إلى اعتباره تعبيرًا عن ثقافات الشعوب والحضارات، كما أكدت معظم هذه الدراسات على نشأة الرقص في الحضارة الفرعونية، وهو ما أقرّت به شواهد القبور والنقوش الموجودة على المعابد، وثمة تأكيدات على وجود مثل هذه الشواهد في الحضارة الأشورية.

وفي الحضارتين كان الرقص يُمارس ضمن طقوس استرضاء القوى الروحية، واستدعاء «المطر»، كما ارتبط بطقوس الخصوبة، حيث كان يتم كطقس ديني، لإرضاء إله الخصوبة “مين”، وكانت الراقصات لهذا السبب يرتدين ما يكشف نصفهن السفلي بدءًا من الرحم حيث يعد مصدر النماء والخصوبة. وقد ظهرت مناظر الرقص، منذ أقدم العصور في عصر ما قبل الأسرات في كهف وادي الحمامات في صحراء مصر الشرقية، أما أوّل ظهور له على ظهر مقابر الأفراد كما تقول أميرة خالد عادل في دراستها عن الرقص في مصر القديمة “في مقبرة دبحن في الجيزة من الأسرة الرابعة، وتميزت النساء اللاتي يرقص بشعورهن القصيرة حتى تبدين كالرجال” ويتنوّع الرقص في مصر القديمة بين الرقص الأكروباتي والرقص الهادي والرقص الحركي الخالص، والرقص بالمرآة والرقص الزوجي، والرقص المحاكاة والرقص الجنائزي.

رقص قصور ورقص شوارع

مصر أنواعًا من الرقصات تُسمى رقص الغوازي، نسبة إلى الغجر القادمين من بلاد الهند، وكانت الغوازي يرقصن في الشوارع، دون إجادة للموسيقى والإيقاع، وهو الفارق بينهن وبين العوالم اللاتي كن يُجدن الموسيقى وإيقاعاتها

عرفت مصر أنواعًا من الرقصات تُسمى رقص الغوازي، نسبة إلى الغجر القادمين من بلاد الهند، وكانت الغوازي يرقصن في الشوارع، دون إجادة للموسيقى والإيقاع، وهو الفارق بينهن وبين العوالم اللاتي كن يُجدن الموسيقى وإيقاعاتها، وقد اختلطت الغوازي بالعوالم بعد مذبحة القلعة التي ارتكبها محمد علي باشا بالمماليك، ففرت الجواري من قصور المماليك، واختلطن بالغوازي، ما أدّى إلى دمج أسلوبَي الرقص (رقص القصور ورقص الشوارع)، وفي 1934 منع محمد علي والي مصر آنذاك الرقص وفرض عقوبة على مَن تمارسه بالجلد خمسين جلدة، وقد جاء قراره كانتفاضة على سمعة مصر، بعدما قام أحد الفنانين الفرنسيين بتصوير إحدى الراقصات، فخشي محمد علي من تشويه سمعة مصر، وإن كان ثمة سبب آخر يعود إلى منع محمد علي الرقص يتمثّل في انتشار الرقص البلدي في صفوف الرجال، وهو ما اعتبره سبة في سمعة مصر.

تكرّرت فكرة الخوف عن السمعة ولكن هذه المرة ليست مقتصرة على مصر بل على الشرق برمته، فتتحدث الدكتورة فاطمة المرنيسي في كتابها “شهرزاد ترحل إلى الغرب” عمّا سببته تلك الرسومات التي عرضت في أحد معارض باريس حيث أن المستشرق ماتيس لم ينبهر بشيء في الشرق الأوسط غير راقصاته، وهي الرسومات على حد قولها «كانت تلاقي انبهارًا من زوار المعرض». لعقود طويلة بعد نفي الغوازي إلى الصعيد، وبعودتهن للقاهرة مطلع القرن العشرين، استقرين في شارع محمد علي الذي كان يحوي قصورًا بنيت حديثًا تقام فيها الحفلات. ومنذ ذلك الحين، بدأ الرقص يشهد صعود نجم العوالم، أي العالمات بالغناء والرقص والعزف على آلة موسيقية، فيما لم تعد الغوازي يتجولن في الطرقات، بل صار هناك عوالم يحيين حفلات الأغنياء وكبار القوم.

الرقص في البرلمان

بعد فوز المطرب هاني شاكر بمقعد نقيب الموسيقيين رفع شعار “ممنوع العري”، فقد أصدر قرارًا بالتحقيق مع أي مطربة تغني بملابس عارية، سواء في الحفلات العامة أو في الكليبات أو البرامج التلفزيونية، ورغم أهمية القرار بعدما ساد خلط بين الرقص والغناء إلا أن كثيرين أرادوا إلباس القرار بُعدًا سياسيًا، مع قرب الانتخابات البرلمانية في مصر والتي سَيُشارك فيها حزب النور السلفي، متعللين بأن هاني يتغزل بالإسلاميين، وهو الأمر الذي تنفيه شواهد كثيرة لا مجال لذكرها.

لكن أغرب ما في موضوع الرقص هو اعتزام الراقصة الاستعراضية سما المصرية، تأجيل نشاطها الفني، للاستعداد لخوض الانتخابات البرلمانية القادمة، حالة سما المصري، تعكس الحالة التي وصل إليها هذا الفن في مصر في السنوات الأخيرة، بعدما كانت راقصة مثل تحية كاريوكا تدافع عن سمعة مصر كما حدث أثناء عرض فيلم “شباب امرأة”، عندما عرض في كان، وما قامت به من فعل إزاء الممثلة الأميركية سوزان هيوارد التي سخرت من العرب عمومًا.

14