الجسد العراقي يتفتت لكن الروح خالدة تطوف في فضاء الجريمة

تتواتر صور الموت في العديد من الأعمال الأدبية العربية والعالمية، وهي صور غارقة في البشاعة، نتيجة الإحساس الذي يشعر به المؤلف، والنابع من قساوة الماضي وقتامة الحاضر وضبابية المستقبل، وللموت رموز ودلالات عديدة وظفها الكتّاب للتعبير عن هذا الظلم الصارخ المنتشر في جلّ أرجاء الأرض، وعن المعاناة التي تعيشها الشعوب منذ عقود مضت.
الثلاثاء 2016/11/22
بشاعة الموت (لوحة للفنان ديلاور عمر)

يشبه نص رواية “مياه متصحرة”، للأديب العراقي حازم كمال الدين، الزمن الذي ولد فيه، هو نص الموت والحياة والتشظي والأنفاق والدم المسفوح والجسد المشوه، هو نص يجمع الأضداد، ويضم الأساطير والتاريخ والجغرافيا والخرائط، هو نص الطائفية المتجذرة في مجتمع شهد أعظم حضارة في التاريخ.

مياه متصحرة هو عتبة النص وعنوانه، وهو يكشف منذ البداية عن صورة من صور تقود إلى الموت؛ فحين تتصحر المياه فهو الجفاف وانعدام الحياة. ولعل هذا العنوان يقودنا إلى منطقة الأهوار، فهي مسطحات مائية غنية بالحياة والحضارة، هي تاريخ حضارة ما بين النهرين، وهي الجغرافيا الممتدة في جنوب العراق، والتي تسببت السياسات الخاطئة للنظام الرسمي العراقي في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين في تجفيفها، نظرا إلى بناء السدود على امتداد النهر ما تسبب في تغيير معالمها، والمساس بمكانة هذا المعلم الحضاري التراثي في العراق.

و”مياه متصحرة” عنوان للفيلم السينمائي الذي أنتجه حازم كمال الدين في تسعينات القرن العشرين، لكن أيادي الرقيب تدخلت في محتواه وحولت معناه وغيّرت أهدافه.

من جهة أخرى كان تجذير الطائفية والعرقية في المجتمع العراقي أكثر الآفات التي ضربته في عمقه، وكان هذا التجذير ممنهجا، عمل على تدمير المجتمع وهجرة أهله إلى بلاد بعيدة، وأصبح الموت فنا يمارسه القتلة في حق العراق وشعبه.

الجسد الكاشف

يفضح جسد الراوي، في الرواية الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، بعمّان، هذه الطائفية النتنة التي غرق فيها الشعب العراقي، فهو من أب شيعي من النجف، وأم سنية من الأعظمية، ورغم أنهما ينتميان إلى الحزب الشيوعي، ويؤمنان بالعلمانية، فقد كان جسد ابنهما حازم هو المحك والاختبار على مدى إيمانهما بأفكار الحزب الذي ينتميان إليه، وهنا انكشفت عورة هذه الأحزاب التي لم تكن متأصلة في المجتمع، وتعرت جذور الطائفية؛ فالأب يريد أن يدفن جثة ابنه في مقبرة وادي السلام في النجف، والأم تصر على دفنه في مقبرة الأعظمية، لأن الظروف الأمنية لا تساعد على حمل جثته إلى النجف، وبقيت الجثة أياما حتى تعفنت وخرج منها الدود، ثم دفنت في مقبرة الأعظمية إلا كفه اليسرى التي تنقصها السبابة لتستقر في مقبرة وادي السلام في النجف.

صورة الجسد الميت وهو يتعفن تجسد بشاعة الطائفية التي نخرت المجتمع وضربت جذوره، نتيجة الظلام والجهل

تجسد صورة الجسد الميت وهو يتعفن بشاعة الطائفية التي نخرت المجتمع وضربت جذوره نتيجة الظلام والجهل اللذين تغرق فيهما. وهذه الصورة التي أوردها السارد في نصه تطرح تساؤلات عدة، أبرزها؛ لماذا استفحلت الطائفية في مجتمع يتعايش أفراده منذ آلاف السنين؟ ومن المسؤول عن تجذير الطائفية والعرقية في المجتمعات العربية؟ وما دور الأنظمة السياسية في هذا التجذير، وما أهدافها؟

صورة الموت في رواية مياه متصحرة تنبجس في كل زاوية من زوايا النص، ويأتي الاستهلال في مفتتح النص بعبارة الموت الأولي “روحي تسعى للانفكاك عن جسدي، وأنا أمسك بتلابيبها، أحلق فوق نفسي تاركا أشلائي حيث يدور كل شيء بفوضى عارمة”.

يصدمنا الراوي بالاستهلال، كاشفا انخلاع الروح عن الجسد بعد تناثر أشلائه نتيجة قصف أميركي عشوائي على سوق شعبي في العراق.

روح الراوي تحكي الحكاية، وهي ليست هلوسات مجنونة، وإنما تعبر عن رؤية فلسفية عميقة للموت، فالجسد يتفتت ويأكله الدود ويتلاشى، لكن الروح تظل خالدة تحوّم في فضاء زماني ومكاني، وبالتالي دخلت أشلاء الجسد في نفق لا نهاية له، لكن روح الراوي ظلت حية تروي للآخرين ما حدث وما يحدث، فزمن السرد الحاضر هو صوت الروح التي لم تمت، وإنما شاهدة على الماضي والحاضر وتستشرف المستقبل في شخصية هدهد الأهوار.

رؤية فلسفية عميقة للموت

رغم رائحة الموت التي تنبعث في كل فصل من فصول الرواية إلا أن شخصية هدهد الأهوار تكاد تكون الشخصية الوحيدة في النص التي توحي بالانبعاث والتجدد والحياة، ذلك الطفل الذي قابله الراوي في معتقل قلعة أبوزعبل، تلك هي قلعة الموت التابعة للحكومة العراقية في زمن الاحتلال، فبعد جلسة التعذيب البشع التي يعيشها حازم بتهمة انتمائه إلى الطائفة السنية، ويحمل راية الزرقاوي، يغرق في نوبة بكاء وألم، ويتجلى له “طفل يتحرك كجرذان الأفلام البوليسية، إنه كائن يختفي هنا بانتظار شيء ما”، فشخصية الهدهد تحمل في جوهرها رسائل واضحة ومبطنة، ترمز إلى حتمية التغيير لدى المجتمع العراقي في الأجيال القادمة.

بنيات متعددة

في البنية السطحية للنص يعد النفق هو المكان الروائي الذي تدور فيه أحداث الرواية في حاضر السرد وماضيه، لكن في بنيتها العميقة هي أنفاق اجتماعية ودينية وسياسية وفكرية يتقوقع فيها الإنسان، ويجب عليه أن يفجر موروثه الثقافي كي يخرج من هذا التقوقع إلى الفضاء الرحب.

إن الحاضر لا يمكن أن يتغير إلا بالحفر في عمق الماضي وتعريته ليتغلغل الضوء في أعماقه كي يزيل عفونة ترسبت في الجذور، لذلك يأتي عنوان التخوم ليكون فصلا من فصول الرواية الأخيرة، ويأتي قبل التجويف الثالث عشر في نهاية النفق الحلزوني أمام البوابة، تقترب روح الراوي من نهاية النفق، وهذا الاقتراب لن يتأتى إلا بنور حقيقي يفجر الأنفاق الغارقة في الظلام ويجتاح الماضي بكل ما فيه من تخلف وغثيان وطائفية.

إن روح الراوي في نهاية النص لا تزال حائرة في صورة موتها، هل ماتت بالقصف الأميركي أو بتقطيع الجسد إلى أشلاء في قلعة السؤدد، وهذا التساؤل يجسد مشاهد الموت المختلفة في العراق، لكن رغم بشاعة الحاضر، وسموم الماضي الذي انفجر بكل ما فيه من اختناق وغثيان في وجه حاضر مهترئ متشظ، فإن المستقبل سيكون لهدهد الأهوار ولحركة الشعوب التي تضحي من أجل حريتها وتثور في وجه الظلم والاستبداد.

14