الجسد في المسرح

الأربعاء 2016/12/07

في دراسته المعمقة للتعامل مع الجسد تاريخيا، توصل الباحث الفرنسي جان ميزونيف إلى وجود مفهومين للجسد يتعاقبان أو يتقابلان: المفهوم الذي يشيد بقيمته وثقافته، اللتين كثيرا ما ترتبطان بنماذج مثالية تعبّر عن الجمال أو الطاقة، وبتصوير يميل إلى توحيد الإنسان الذي يُنظَر إليه بوصفه “جسدا وروحا”.

وعلى النقيض، ذلك المفهوم الذي يشيد بتناسي أو احتقار الجسد، وهو مفهوم يرتبط بمقولات الخطيئة والزهد والتفخيم.

ما يعنينا هنا هو المفهوم الأول، وحضوره في فن المسرح بأشكاله التعبيرية المختلفة.

فما الذي نعنيه عندما نتحدث عن الجسد في هذا الحقل الإبداعي؟ وكيف يمكن للمسرح أن يؤثر على الطريقة التي نفكر بها حول جسد الإنسان؟ إن الجسد عنصر حيوي في الإنتاج المسرحي، لكنه ليس الوجه المادي فقط، بل المفاهيمي أيضا.

واعتمادا على أمثلة كثيرة من الأداء التمثيلي المعاصر، فإن المسرح والجسد هما نقطة انطلاق استفزازية لفهم العلاقة المعقدة المدهشة بين المسرح والجسد، كما تقول فنانة البورفورمانس الصربية مارينا إبراموفيتش.

إن الأداء التمثيلي، الذي يقوم على الجسد الإنساني وبلاغته التعبيرية، يشكّل مهد الحركة في المسرح والرقص والسينما، بل الرحم الذي خلقت فيه هذه الفنون المتداخلة.

وثمة عوامل أدت دورا مهما في المسرح المعاصر، وكان لها تأثيرها على إبراز الأداء الجسدي الحديث فلسفة وفنا وتقنيات، منها: ردة الفعل البصرية أو المشهدية على طغيان النص (أو الجانب الحواري السمعي) في المسرح، وبتأثير من السينما بوصفها فنا بصريا.

وكان ذلك ضمن اهتمامات الحركات التجريبية في المسرح العـالمي. كذلك الاهتمـام بلغة الجسد، والتكوين الحركي، من خلال الأداء الإيمائي كأسلوب تعبير مستقـل له قـواعـده الخـاصة، كمـا في تجـارب بعض المخرجين العالميين، وفناني الرقص التعبيري الذين قدموا عروضا جسورة تعتمد على تحرير الجسد من قيوده.

يضاف إلى هذين العاملين تنظيرات وتجارب عـدد من المسـرحيين الطليعيـين ذوي المشاريع البحثية والمختبرية، الذين نبذوا الحضارة الغربية الحديثة، وثاروا على المسرح التقليدي، تأثرا بالنزعة الفـوضوية، وتعلقـا بأصول المسرح، وافتتانا بينابيعه الطقسية والأسطورية النقية، وقدسيته، وخاماته البدائية التي أجهضها، أو شوهها المسرح الاستهلاكي، واللفظي، ومواضع المنطق والعقل، والتكنولوجيا، والقيم المادية، والبنية التركيبية للغة.

في المسرح الدرامي يقـوم أداء الممثـل على الجـدل بين الجسـد “الـواقعي” للإنسان/ المؤدي، والجسد “المتخيل” للشخصية الدرامية، حيث يخضع الأول للدلالة على الثاني، ومـن ثمّ فإن الحضور المزدوج للممثل (الإنسان/ الشخصية) بسماته الفيزيقية وهـو الذي يسمح لجسده أن يكون المؤسس للبلاغة والمجاز المسرحيين، وذلك من خلال تضـافر ثلاثة أسس: المعرفي، حيـث يكتسب جسد الممثـل معارف اجتماعية وأنثروبولـوجية وجمالية، فضلا عن المهارات والتقنيات التي تهيئه للتعبير بوعي وإدراك، والفيزيقي، حينما يكون الممثل واعيا بميكانيكية الجسد البشري وتشريحه، والعاطفي، حينما تكون حركة الجسد مرتكزة على دافع نفسي داخلي.

أما في المسرح ما بعد الدرامي، فإن الجسد لا يكون ناقلا للمعنى، بل في جسديته وإشارته يكمن المعنى. ويرفض المشتغلون في هذا المسرح أن يخدم جسد الممثل الدلالة، ذلك لأن المسرح ما بعد الدرامي غالبا ما يقدم نفسه كـ“جسدية مكتفية بذاتها”، تُعـرض بحدتها، وإمكانياتها الإيمائية، وحضورها المشع، وأبعادها المنقولة داخليا وخارجيا على السواء.

كاتب من العراق

14