الجسد في جمالياته خزان التحولات التاريخية والفكرية

الثلاثاء 2015/04/28
شركات الإعلان والسينما وخصوصا هوليوود لعبت دورا كبيرا في تحديد معايير الجسد المثالي

“إن تاريخ الجمال الجسدي يعكس بحثا متأنيا وكشفا بطيئا للأقاليم والأمور الجسدية التي علا شأنها تدريجيا، وفيه جميع مقولات الحيّز التي أثرت شيئا فشيئا مع الزمن: وهي مقولات المساحات والأحجام والتحرك والعمق”.

بهذه الكلمات السابقة يفتتح الباحث الفرنسي جورج فيغاريلّو خاتمة كتابه “تاريخ الجمال: الجسد وفن التزيين من عصر النهضة الأوروبيّة إلى أيامنا”، الكتاب صدر باللغة الفرنسية كجزء من مشروع فيغاريلّو الذي يبحث في تاريخ الجسد وتحولاته، كما صدرت باللغة العربية ترجمة الباحث جمال شحيّد عن المنظمة العربيّة للترجمة.

كتاب “تاريخ الجمال” رحلة ممتعة يخوضها القارئ، إذ يعتمد فيغاريلّو على النصوص الأدبية من روايات وقصص ومسرحيات، بالإضافة إلى لوحات من الفن التشكيلي والمواد البصريّة من إعلانات وأفيشات إلى جانب المجلات والصحف، لتحديد النماذج الجمالية التي كانت سائدة في كل قرن والتي على أساسها يتم تقييم جمال الجسد، وارتباط ذلك بالتغيّرات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي سادت في كل قرن، وخصوصا تلك المرتبطة بالعلوم التطبيقية وانسحاب المكتشفات الجديدة من قطاع العلم إلى قطاع التجميل، كمستحضرات وماكياج وأجهزة لتقويم الجسد وصولا إلى عمليات التجميل التي غزت العالم المعاصر.

الجمال الطبقي

يكشف الكتاب عن تغيّر وضعيات الجسد المختلفة وارتباط هذه التغيرات بالمكانة الاجتماعية، وبصورة أدق التفاصيل المكشوفة والمخبأة من الجسد، فالتركيز على الجزء العلوي كان سائدا في القرن السادس عشر، وارتباط نموذج الجمال بما هو إلهي، فالتصوّر الديني يرى في الجمال محاكاة لما هو مقدّس، وكانت الأجساد تحاول مقاربة أشكال التماثيل اليونانيّة بل وظهرت آلات تصحيح الجسد من المشدات وغيرها في سبيل الاقتراب من هذا النموذج الجمالي.

الجمال لم يعد نموذجا إلهيا أو طبيعيا أو حتى روحيا، بل أصبح اشتغالا ذاتيا ومشروعا خاصا بكل فرد
أمّا ما حدث في القرن السابع عشر فهو انقلاب في معايير الجمال إثر انهيار السردية الدينية المسيحية في أوروبا والتركيز على الروح والفرد إذ أصبح الجسد والوجه خصوصا انعكاسا للواعج النفس وهذا ما ظهر في الأعمال الفنية من تشكيل وشعر، فالجسد مرآة للروح والعينان وتعابيرهما يمثلان انعاكسا لما بداخل النفس البشريّة، كما بدأت “الحركة” في وضعية الجسد تظهر بوصفها معيارا للجمال، بعيدا عن النموذج الساكن المتمثل في الجمال الإلهي.

أما في القرن الثامن عشر ومع طغيان الإنسانويّة أصبح الحسّي والملموس هو معيار الجمال واللحظة الحسيّة تختزل ما هو “جميل”، وبدأت معالم طغيان النموذج الذكري تظهر بوضوح فصورة الرجل القاسي والمقاتل هي السائدة.

كما برزت للعلن حميمية طقوس الاعتناء بالجسد كإعلانات الحمامات ومستحضرات التجميل، وأضحى النموذج الأخلاقي هو الذي يحكم على الجمال، فالكسل والبغاء والحداثة جعلت كلها الجسد البشري ينحطّ في أوروبا ويفقد المقاسات التي قدّمتها الطبيعة.

مع بداية القرن التاسع عشر ظهر نموذج الجمال المرتبط بالرومانسّية والفردانيّة إذ بدأ القسم الأسفل من الجسد يظهر ويشار إليه، وأضحى “المكياج” عنصرا أساسيا، وبالتالي بروز تفاصيل الجسد والإباحة والرغبة الجنسية، وقدرة الجسد على جلب اللذة ولو بصورة ضمنية، وبدأت البدانة تذكر بوصفها تنتمي إلى “القبيح” بالتالي التركيز على النحيل والنحيف بوصفه الأجمل، وأصبحت مهن كالمزيّنة و”الماكيير” ذات أهمية في ذاك العصر وانتشرت المرايا ومفاهيم العناية الذاتية بالجمال.

عصر "عبور الجنس"

عصر انتصار الجسد

يعتبر القرن العشرون عصر انتصار الجسد، إذ أصبح مفهوم الجمال خاضعا للمؤسسات وتقييماتها وظهرت المسابقات العالمية لملكات الجمال، وأصبح مفهوم الإباحية أكثر وضوحا، ولعبت شركات الإعلان والسينما وخصوصا هوليوود دورا كبيرا في تحديد معايير الجسد المثالي، كما انتصر الجمال الفرداني، وأصبحت المعايير الخاصة بكل فرد هي الطاغية، في حين أن مفهوم “الجمال الاستهلاكي” جعل صور النماذج الجسديّة -خصوصا الممثلات- التي تنشر في المجلات هي معيار الجمال، والتي بدورها تتغير حسب تغيّر الدور الاجتماعي أو ببساطة حين تغيّر الدور السينمائي، كحالة نجمات هوليوود اللاتي تتغير أشكالهن حسب الأدوار المناطـة إليهن.

يُشهد للقرن العشرين أيضا بأنه عصر “عبور الجنس”، أي تماهي الحدود الفاصلة بين الجنسين وخصوصا مع طغيان الحركات النسوية والمثلية الجنسية، بحيث أصبحت معايير الجمال الخاصة بكل جنس ضبابيّة، وخضع النموذج الذكوري للجمال للتقويض مع ظهور ما يعرف بالـmetro sexual أو الرجل ذو الهوية الجنسية المدنيّة، الذي يتصف بأنه أقل قسوة بتعابيره وأقل صرامة، فملامحه ألطف لكنه أكثر ديناميكية، وهو أكثر قدرة على التأقلم مع حياة المدينة والوضعيات التي يفترضها الاستهلاك.

الجمال لم يعد نموذجا إلهيا أو طبيعيا أو حتى روحيا، بل أصبح اشتغالا ذاتيا، ومشروعا خاصا بكل فرد، فعلى أساسه تقوم القطيعة مع الهوية الجمالية السابقة انتصارا لصورة الفرد ضد المجتمع أو للتماهي مع النموذج الذي تقدمه المؤسسات التي تطرح الجمال بوصفه سلعة اســتهلاكيّة.

فيغاريلّو لا يتناول في الكتاب العلاقات الجنسية والأشكال والوضعيات الجمالية المرتبطة بالجنس، كذلك لا يتناول دور السلطة بأنواعها على الجسد وعلى تحديد المعايير الجمالية، وكأنه لا يستطيع مقاربة أو تجاوز مقولات ميشيل فوكو في أبحاثه عن الجسد والجنس وعلاقات القوة والعنف التي تمارس على الجسد.

14