الجسد يغني والإلكترون يعزف

السبت 2017/05/13

هذا هو حال الغناء اليوم أو جلّه. المعادلة مختلة تماما لأنّ المغني صار يفرط في استعمال مفاتن وحركات الجسد، والناس صارت تستعمل العيون قبل الآذان. مطربون يدخلون دورات تدريبية رياضية قوية لتعضيل وترصيص الجسد والمحافظة على اللياقة البدنية وعدم انقطاع النفَس، حيث المغني المتحمس سيقطع سبعين كيلومتر من الركض فوق دكة المسرح، وقبل أن يسبح بعرقه النزيز ويتبلل سرواله وما تبقى من جغرافيا القميص، فإنه سيطلب من الجمهرة الهائجة المائجة أن تصفق له وتردد خلفه لازمة الأغنية المؤداة على سلّم الهرج وأخيه المرج، فتنفلت المقاييس والأحزمة وستصاب الناس بهستيريا عظيمة، وتنطلق سمفونية الحناجر الجمعية، وتتحرر الأجسام من مقاعدها ويدفع عازف العود التعيس ثمن خمول صوت آلته المنطفئة.

أما في حال المطربة المغنية فإنّ الأمر سيكون مدهشا ورائعا، والجوق الموسيقي سيتخلى عن هندامه وطرائقه في ضبط الإيقاع وتسيير دفة الأغنية، وسينطّ ضارب الطبلة والطبل من مقعده بعد غمزة شهية من المطربة، وستنعقد تحت الدكة الخشبية، حلقات رقص وهزّ وردح جماعية وفردية قد تساهم فيها العائلة كلها بمن فيهم الأب الأشيب الوقور الذي سيطلق صوته العريض وجسمه المريض فيرقص ويغني كما لو أنه يؤدي طقس انتقام ممكن من صاحب العمل الذي وبّخه صباح اليوم بسبب مشاركته في واقعة كوارع تمّ طبخها في غرفة الحارس ووصلت رائحتها المبصّلة المبهّرة المثومة إلى خشم المدير غليظ القلب والبدن.

الوظائف ستتبدل في لحظة جنون هائلة، والمطربة ستقوم ببعض الحركات اللذيذة التي يُنصح بمشاهدتها قبل ليلة الدخلة بربع ساعة. لا أحد يكترث بكلمات الأغنية حتى لو كانت منسوجة على بحر طقطوقة شعبان عبدالرحيم التي تنفتح على قطعة مؤثرة هي “كلب يا كلب يا ابن الكلب، أنا حبيتك يا ابن الكلب” وستنغلق على عتاب مرير هو “كنت حجيبلك كلبة انثاية وأنت تملّي تقل معاية”.

ثم إن عندك أيها المستمع المطعون بظهره، صنفا آخر من المغنّين الذين قد تحب أصواتهم وهم يسجلون الأغنية داخل إستوديو فخم، فتبدو الأخطاء والنشازات قليلة أو حتى غير محسوسة ولا مؤذية لطبلة الأذن، لكن عليك أن تنصت جيدا إلى نفس المغني ساعة ينزرع على دكة منصوبة في الهواء الطلق، حيث تغيب الخدمات الفنية الحديثة التي تغطي عطب الحنجرة وفقرها، فتظهر الهنّات والخنّات والشحطات التي ستبررها المغنية الحلوة بأنها كانت على مرض أو سفر أو بكاء بمجلس عزاء الراحلة الرائعة فطوم حيص بيص.

24