الجسر لي

الأحد 2020/05/10
هذا الرصاص لي!

لدينا جثث كثيرة

جثث في الثلاجة

جثث في الخزانة

جثث في الحقائب

جثث في الكلام

جثث في المنام

لدينا جثث في كل مكان

أكثر من الأمطار ومن الحيوانات المنوية

جثث.. جثث

أكثر من الرجال أكثر من النساء

جثث.. جثث

 بفم واحد: فم مفتوح

جثث.. جثث

بعيون واحدة: عيون مغلقة

جثث تشبه الأحياء

المفقودين منهم

البعيدين..

جثث للعائلة

جثث للأصدقاء

جثث للمسافرين

جثث للعائدين

جثث للجيران

جثث للأطفال

تصلح دمى وعرائس

تصلح حلوى للعيد.

جثث بأحجام مختلفة، بأسعار مناسبة..

جثث في الليل جثث في النهار

جثث بلا رائحة

جثث هادئة

جثث لا تتحرك

جثث ثقيلة

جثث بملابس جميلة

جاهزة ومستعدة للتصوير في أّي وقت.

***

بعد الآن الأمهات

سيُعلّمن الأبناء كيف يمضغون القنابل

أو يبلعونها،

كيف يفتحون العيون لدخانها.

الآباء سيوفرون كمية لا بأس بها من القنابل الدخانية في البراد..

يوم الجمعة سيكون يوم ثقب رؤوس العائلة

تحسبا للقنبلة.

***

عيون صغيرة تتقيأ

وقوفا

على الوطن..

عيون صغيرة هاربة من رأس صغير..

تلتصق بفمي..

عيونهم في فمي، يا أمي..

عيونهم تلتصق بأحذية أخي الرياضية..

رؤوسهم صغيرة يا أمي، تكفيها نصف رصاصة

لتتفتت..

أنوفهم ناعمة ومحددة

سأعلقها على البراد..

وأنساهم..

أقدامهم نشطة لوحدها

تمشي في شارع يدخل المشافي القذرة بنصف

بنطال جديد.

أقدامهم تتقيأ على قميصي المبلل بالهتاف..

شعرهم اللامع يتقيأ على جدار مليء بالرسوم..

لهم أكتاف صغيرة

يا أمي..

أكتاف تأكل ظهرهم وهم يرقصون.

***

( اششش..! أمة تتصل)..

الوجه الذي ينبت في برتقالة

قد كنت ساذجة حين سكبت لهم

الوجوه دون عيونها في شاشة الهاتف المحمول

أمي تأكل الهاتف وتنسى ان تتصل..

تشتم القتلى..

أبي من قتلهم..

أبي من أدار وجوههم إلى جهة اليمين..

أنا رأيته..

يبلع أحجار الشارع العام

ويبصقها على الجسر

حيث أمي هناك تأكل الهاتف وتنسى أن تتصل..

على أطراف النهر يموت البرتقال

بالاختناق عوضا عن القتل..

على البرتقال أن يُقتل بقناصٍ حكومي

أمي تأكل الهاتف لا تأكل البرتقال!

فتش عيونهم التي على اليمين

أضاع الصوت امعائه هناك

أمي تأكل الهاتف ولا تأكل البرتقال!

***

بينما مُعد الأخبار في “العربية “

يُقدم خبر حرق الإطارات

على خبر قتل المتظاهرين..

من حوله كان الكل يصرخ:

(تصوب برأسه.. تصوب)!

بدأ صاحب الكاميرا بالبحث بينهم

لم يجد غيره..

جامدا تماما ومُغرياً لصورة

فجأة توقف فيه الألم.. ولم يتوقف في الصورة.

من بين أظافره،

من بين كل قمصانه المُعلقة بعناية،

من بين كل امرأة تسمّر أمام كسر في خدها

من بين كل العيون التي رأته ولم تنتبه

من بين كل ختم في رسالة لابن خلدون

من بين كل حيوانات كليلة ودمنة

من بين كل ضحكة صغيرة مزعجة

غالبا ما تكون بعد منتصف الليل

من بين كل بالون أحمر أو أبيض

مرسوم عليه أرنب

من بين كل الورق الذي يبرع بتقيؤ الكتابة

ويفشل في أن يكون منشارا عائلياً،

خرج.. حتى صار أمامه

ألقى عليه التحية

وتعانقا.

مصور “الحدث” بعدها

التقط صورة لفتى يسبح تحت الجسر

وهو يضحك من رأسه.

شيء بيني وبين درويش

كل الوقت للقنبلة

كل الوقت لرصاص الحكومة:

والدخان حظ المُبادر

أهتف! أركض! أختنق!

لا أسمع، أسمع، لا أسمع!

اُصاب!

اُقتل!

أسقط

أسقط

أسقط

أسقط

أسقط

أسقط

أسقط.

بخوذة الحياة الممكنة

أنتظر القنبلة

إن أتت تمشيّا معا كنبيّ ونملة

حتى لا تجفل فيها الكتف والرقم الذي غفى فيه:

الجنود لا يموتون

الجنود

ينصبون بنادقهم على الحديقة:

على هذه الأرض:

“تحريرٌ” واحدة كان يمكن أن تكون متحفا لكرة الطاولة

كان يمكن لـ 400 جثة أن تكون قنبلة

كان يمكن لـ400 شهيد أن يلعبوا شوطا من البليارد قبلها

(لا بد من نثر إذن)

لا بد من رأس مثقوب جانبه الأعلى:

هذا الجسر لي!

هذا الرصاص لي!

و البلاد ليست لي.

13