الجغرافيا والتاريخ قصص ورسوم تنحتها الطبيعة

الاثنين 2013/12/02
يتواصل اكتشاف المدن تحت المياه واكتشاف الحقائق معها

مدن قديمة عرفها التاريخ اختفت بفعل عوامل طبيعية مثل الزلازل، وتتوالى اكتشافات هذه المدن من قبل الغطاسين إما عن طريق البعثات العلمية أو بالصدفة، تحتوي هذه المدن المغمورة في قاع المحيط على ثروات إنسانية وحضارية هائلة تستحق التوقف عندها ودراستها.

ففي الهند اكتشف العلماء بقايا مدينة كبرى يعود تاريخها إلى 9500 سنة حيث اختلط الخراب بالعظام وبالآثار العمرانية، ولم يكن قد عثر في هذه المنطقة على ما هو أقدم من 5000 سنة، لذلك عندما تم اكتشاف هذه المدينة الغارقة بدأ العلماء يعيدون حساباتهم في تقييمهم التاريخ الحضاري في هذه البقعة الجغرافية، وقد أطلق عليها اسم مدينة الذهب.

وفي تايلاند اكتشف معبد تحت الماء عمره أكثر من خمسمائة عام يرقد في قاع بحيرة فاياو، وما أثار الانتباه هو أن البحيرة أنشأت حول المعبد منذ سبعين عامًا، وقد جرت عدة دراسات مؤخرًا تؤكد إمكانية رفع المعبد لمستوى سطح الأرض لكن لاقت هذه الفكرة الاعتراض بسبب الكلفة الباهظة، كما أن المعبد يشكل حاليًا مصدرًا للأسماك التي تتوجب حمايتها كجزء من الثروة البيئية للبلاد، أما في اليابان فقد وجدت أهرام تحت قاع المحيط. ويواصل العلماء استكشافهم لحضارة المغليثية التي عثر عليها في قناة يوكاتان بالقرب من كوبا حيث وجد العلماء أدلة على بيئة حضارية واسعة تمتد لأميال على طول شاطئ المحيط، ويعتقد المؤرخون أن الحضارة التي سكنت هذه المنطقة هي الأقدم على الإطلاق وتسبق جميع الثقافات الأميركية القديمة.

ويؤكد شارل أولبرايت عالم الآثار الأميركي أن موقع مدينة "يرموتا" يقع في بيسان في فلسطين، رغم أن بيسان مدينة لا تقع على شاطئ البحر كما هو معروف، وأضاف: "وجدنا في المدينة المكتشفة الكثير من تماثيل الحيوانات وبقايا تماثيل لا تزال متجاورة بما يشير إلى أن الغرق تم دفعة واحدة وليس بالتدرج كما وجدنا أحجارا منحوتة يعلو بعضها بعضًا بشكل هرمي مترابط بواسطة ثقوب في وسطها، وهي تقع على بعد 300 متر عن الشاطئ مقابل تل البراك وعلى عمق 5 أمتار، والعشرات من الحجارة ظهرت أنها منحوتة بيد الإنسان.

الجغرافيا القديمة أكبر بكثير من نظيراتها في الوقت الحاضر، ويرجع ذلك إلى تآكل البحار وتزايد الزلازل، وانخفاض أجزاء من الجزر في البحر

وقالت الدكتورة زينب محروس رئيس قسم الآثار بجامعة القاهرة: أن أبرز المدن العربية التي وجدت تحت الماء هي مدينة الإسكندر الأكبر التي يُعتقد أنها غرقت نتيجة زلزال ضرب المنطقة، ويمكن مشاهدة هذه المدينة الغارقة قطعًا أثرية وتماثيل وأجزاء متعددة من قصر كليوباترا، ويعتقد المؤرخون أنها كانت مغمورة تحت الماء من قبل الزلازل وموجات المد والجزر قبل أكثر من 1600عام، وتم الكشف عن عدد من الحفريات تشمل قطعاً من الغرانيت الأحمر وأعمدة من النقوش اليونانية، واثنين من التماثيل التي رفعت من الميناء، كان واحد منها كاهن الإلهة إيزيس، والآخر للملك بطليموس الثاني عشر.

ومن جانبه أوضح الدكتور يوسف الحوراني، المكتشف الأثري، أن رحلة اكتشاف آثار لبنان الغارقة لا تنتهي وهي تعطي للبنان أبعادًا عالمية، وإن كل المعطيات التاريخية والقرائن والوثائق التي وردت في التاريخ القديم جعلتنا نركز بحثنا حول موقع مدينة "يرموتا" لأن الكثير من العلماء من غير اللبنانيين حاولوا أن يصوروا أن موقع "يرموتا" يقع خارج لبنان.

وقال محمد علي فكرون عالم أثري: لا نستطيع أن نطلق عليها ما تم العثور عليه على السواحل الليبية مصطلح الآثار الغارقة؛ إنما هي آثار مغمورة توجد في المناطق المتاخمة لمياه البحر، وما تم العثور عليه يتمثل في جزء من سفينة يرتقي تاريخها إلى القرن الرابع قبل الميلاد بالإضافة إلى بعض الأواني والقطع الفخارية.

اكتشافات تستحق الوقوف عند أهميتها

وأضاف: القيمة الحقيقية ليست في الاكتشاف في حد ذاته، وإنما في معرفة الظروف والفترة التاريخية التي صنعت فيها السفينة، وقد توصلنا إلى تحديد وظيفة السفينة حيث أنها كانت تجارية وتم تصنيعها بمدينة سوسة أي أنها محلية الصنع. و أشار الدكتور عباس شراقي أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، إلى أن ارتفاع درجات الحرارة في العالم كشف عن البلدات المفقودة منذ زمن طويل، وتم التعرف عليها بفضل الجفاف، فمثلاً عام 1970 كانت توجد قرية تسمى "ديترويت" تقع جنوب غرب بوينس آيرس بالأرجنتين، عدد سكانها نحو خمسة آلاف، وفي عام 1985 انهار سد قريب وهبطت مياه الفيضانات في البلدة، وبحلول عام 1986 كانت المنطقة تحت أربعة أقدام من الماء، وبحلول عام 1993، كانت مياه الفيضانات في ارتفاع 32 قدماً، ولكن ابتداء من عام 2009 وتغير الطقس ومع الحرارة المرتفعة بدأت المياه تجف حتى ظهرت المدينة مرة أخرى عام 2011.

وأكد الدكتور علي عبد المطلب أستاذ بقسم الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة القاهرة، أن هناك أكثر من 10 مدن قديمة تحت أعماق البحار ينتظر اكتشافها، ففي عام 2001 قام فريق من علماء الآثار بالتنقيب في بحيرة بالصين لعدة شهور، إلى أن اكتشفوا مجموعة واسعة من المباني تحت الماء، ومثلت أنقاض مدينة بأكملها منتشرة على 6.5 كيلومتر مربع (2.5 ميل مربع)، وأرجعوا أن تكون المدينة العملاقة تحت البحر منذ 1700 عاماً، ولم تتوقف الاكتشافات عند هذه المدينة بل امتدت ليتم الكشف عن بحر وادن يمتد على طول الحدود شمال غرب ألمانيا، وهناك شريط ضيق من الجزر تسمى جزر الفريزية الشمالية التي تتآكل بعيداً عن المد، ويعتقد أن هذه الجزر بنيت منذ 1300 سنة، ووفقاً للحسابات الألمانية فإن بقايا بحر وادن لا تزال غير مكتشفة.

ارتفاع درجات الحرارة في العالم كشف عن البلدات المفقودة منذ زمن طويل، وتم التعرف عليها بفضل الجفاف

ويرى الدكتور عبد الحليم نور رئيس المجلس الأعلى للآثار الأسبق، أن الجغرافيا القديمة أكبر بكثير من نظيراتها في الوقت الحاضر، ويرجع ذلك إلى تآكل البحار وتزايد الزلازل، وانخفاض أجزاء من الجزر في البحر، ومع مرور السنوات أصبحت المدن والهياكل القديمة القريبة من البحر معرضة للانزلاق، مؤكداً أن علماء اليونان اكتشفوا مؤخراً مدينة "اليوس" التي كانت في السابق مدينة مزدهرة من حيث الصناعة والتجارة والهندسة المعمارية، لكنها توارت مع غيرها من المدن اليونانية في ذلك الوقت، وأحد أسباب انهيار المدينة أنها بنيت على الشاطئ الرملي بالحجر الجيري.

وفي السياق ذاته أوضح الدكتور عصام السعيد أستاذ الآثار بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، أن اكتشافات المدن القديمة لن تتوقف طالما ظل علماء الآثار يبحثون عن التاريخ القديم والمدن المنهارة والغارقة تحت أعماق المحيطات سواء العربية أو الأجنبية.

12