الجفاف السياسي انعكاس للجدب الثقافي

يحمّل الباحث العراقي مؤيد بركات حسن السياسيين والمثقفين جزءا كبيرا من المسؤولية عمّا يحدث في المنطقة العربية، مشيرا في حوار مع ‘”العرب” إلى أن المجتمع دون ثقافة يظل كالجسد بلا روح.
الجمعة 2016/09/09
المجتمع دون ثقافة يظل كالجسد بلا روح

لم ينقطع السجال داخل الأوساط الفكرية في منطقتنا حول العلاقة بين السياسة والثقافة، بل احتدم وتعمّق بعد تحولات الربيع العربي واتساع المشهد الديمقراطي لقوى ونخب جديدة؛ فهل هي علاقة تكامل ولقاء أم جفاء وعداء، وكيف يمكن تعظيم المساحات المشتركة بينهما وتفعيل التلاقي والتلاقح بين السياسي والمثقف في ظل القضايا الشائكة التي تطرحها مخاضات المرحلة؛ كالتنوع وبناء الدولة والدستور والمواطنة والفردية والحريات والتعددية الحزبية؟

سؤال طرحته “العرب” على الأكاديمي الباحث في فلسفة الدولة والسياسة مؤيد بركات حسن فقال إن “العلاقة بين السياسة والثقافة قوامها الترابط والتواصل والاختلاف؛ فالترابط مردّه أن السياسة يجب أن تكون مبنية على أسس ثقافية متينة، والسياسي الناجح ينبغي أن يكون مثقفا”.

ويضيف أن “العلاقة متواصلة لأن السياسي مهما حاول الابتعاد عن الثقافة أو تجاهلها، فلا بد أن يحتاج إليها، لأن العلم بالسياسة والاشتغال بها في حد ذاته ثقافة نستطيع أن نطلق عليها الثقافة السياسية”.

ويحذّر بركات من خطورة تحوّل السياسي إلى عدو للثقافة، فهنا تكون نهاية الحياة الواعية للمجتمع لأن “المجتمع دون ثقافة كالجسد بلا روح”، لافتا إلى وجود “حرب شعواء” يشنّها ساسة الشرق على المثقف، وما يشجعهم عليها برأيه هو “صمت المثقف”.

ويوضح بركات أن “الثقافة تتمتع بروح أخلاقية وضمير حي أكثر من السياسة؛ لأن المثقف هو الذي يرشد إلى القيم والتسامح والسلام، بعكس السياسي الذي قد يسعى إلى خلق الأزمات لتعظيم دوره”.

ويبيّن بركات، وهو مؤلف كتاب “الدولة والسياسة في فلسفة براترند رسل”، أن “أغلب رجال السياسة ينظرون إليها كلعبة شطرنج، فكل الحيل والخيارات مفتوحة فيها للتغلب على الخصوم، في حين يتوجب أن يكون الساسة أكثر أخلاقية من غيرهم لينعم المجتمع بالأمن والرخاء”.

ويصف العلاقة بين النخبتين السياسية والثقافية بأنها علاقة تباعد وتنافر، محمّلا غالبية الساسة المسؤولية لأنهم، برأيه، “أنانيون يدفعهم حب الذات إلى التهوّر وإقصاء المثقف الذي يرونه حجر عثرة في طريق غاياتهم”. ويعزو توجّس السياسي من المثقف في مجتمعات الشرق الأوسط إلى “نقص في الثقافة لدى السياسي ما يدفعه إلى التعامل مع المثقف كعدو يهدد مصالحه”.

لتكريس حاكمية العقل في السياسة، يدعو بركات إلى أن تكون التنشئة الاجتماعية “مبنية على أسس علمية رافضة للتعصب الديني

وتبدو الديمقراطية في المنطقة مؤجلة لحين تلمّس شعوبها السبيل لجعل علاقة السياسة بالثقافة والسلطة بالمعرفة، علاقة تكامل بنّاء ومفيد للمجتمع؛ فلا وصاية من السياسي على المثقف، ولا تكبّر من المثقف على السياسي. لكن هذا يبقى مرهونا، وفق مؤيد بركات، بأن “تؤول مخاضات دولنا إلى الحكم المستنير للمثقف الذي يسعى إلى خدمة مجتمعه وراحة مواطنيه قبل تحقيق غاياته ومصالحه”.

وفي مواجهة “ثقافة السلطة” يدعو بركات لما يسميه “سلطة الثقافة”، فيقول إن “الثقافة يجب أن تحكم”، لكنه يرفض الشمولية والقهر حتى باسم الثقافة، فيطالب بأن تكون سلطتها “مقيّدة بدستور يحتم على صناع القرار الالتزام به حتى لا تتغلب النزعات العدوانية والرغائبية للأشخاص على الرشد والعقلانية”.

إنها مهمّة عسيرة، لكنها ليست مستحيلة، أن تنتقل دولنا من “وعي السلطة” إلى “وعي الثقافة”، الأمر الذي يفرض ترشيد السياسة وجعلها أكثر أخلاقية وإنسانية، وتفعيل الثقافة وجعلها أكثر واقعية.

وليس الجفاف السياسي وحده المسؤول عن التردي الاجتماعي والاقتصادي في منطقتنا، فهو ليس أكثر من انعكاس للجدب الثقافي الذي أفرزته عقود من الانسدادات السياسية والتنموية وغلق أبواب الاجتهاد والقطيعة المزمنة بين السلطة والمجتمع، وبين السياسي والمثقف.

ومن زاوية نقدية، يقول بركات، الحائز على جائزة أفضل مقال عن السلام والتسامح، إن انعدام السلام في المنطقة راجع إلى “رفض مجتمعاتها للتغيير وتفضيلها البقاء على حالها، فهي تعيش حلم إحياء الماضي وسرديات قيادة العالم، إضافة إلى التعصب الديني، وثقافة عدم قبول الآراء والأفكار المختلفة”. وليست الدعوة إلى تجسير الهوّة بين السياسي والمثقف ترفا لكنها ضرورة للمرحلة الانتقالية في المنطقة، فلم يعد العقل السياسي مؤهلا لوحده لمقاربة قضايا معقدة كالتنوع الثقافي والعدالة الاجتماعية وحقوق المرأة والتنمية المستدامة، ما يفرض بناء تحالف بين السياسيين والمثقفين وتخليق علاقة شراكة وتفاهم بين الجانبين.

مؤيد بركات حسن: أن تنتقل دولنا من "وعي السلطة" إلى "وعي الثقافة" مهمة عسيرة لكنها ليست مستحيلة

وسيقود هذا التحالف، إذا وعى مسؤولياته التاريخية والأخلاقية، إلى إدارة الاختلافات والخلافات داخل المجتمعات وبين الدول بأسلوب رشيد وعقلاني، وبما يصب في تحقيق الازدهار شريطة اعتماد خارطة طريق تضمن، بحسب مؤيد بركات، أن يكون “الحكم للعقل، فالعقل النافع الناجح هو الذي يعمل على إنجاح المجتمع وتنشيطه، وبالعقل وحده نستطيع الوصول إلى الحياة المسالمة البعيدة عن الحروب”.

ولتكريس حاكمية العقل في السياسة، يدعو بركات إلى أن تكون التنشئة الاجتماعية “مبنية على أسس علمية رافضة للتعصب الديني، وأن يكون التعليم هادفا لتنوير العقول، وإشاعة الروح النقدية ورفض القيود الفكرية التي تجعل الإنسان يخضع للإملاءات الثقافية القسرية”.

إن حوارا خلاّقا بين السياسي والمثقف سيثري الفكر ويتيح استثمار التنوع في مجتمعاتنا لتحقيق الاستقرار والمصالح المشتركة. ويلفت بركات إلى أهمية رأس المال الفكري في السياسة، فيقول إن “الاختلاف في الرأي يجعلنا أمام الكثير من الخيارات والبدائل، ما يؤدي بنا إلى التحاور وتبادل الأفكار التي تدفعنا للوصول إلى الرأي الأكثر صوابا، داعيا إلى “تشجيع الاختلاف في الآراء حتى لا يكون المجتمع مثل آلة الطباعة تستنسخ الأفكار بلا نقاش، ولا يمكن أن تكون جميع العقول ذات تفكير واحد، فكثرة الآراء تقوي المشاريع».

ويختم مؤيد بركات حديثه بالتأكيد على أن المسار الوحيد لفض النزاعات وإحلال السلام في المنطقة يمر عبر “حراك تنويري شامل مبني على أن الإنسانية فوق كل اعتبار، فأنا إنسان قبل أن أنتمي إلى دين أو قومية أو مذهب”، مناديا بإعلام هادف وتعليم رصين وإشاعة التفكير العلمي والتسامح الاجتماعي.

كاتب عراقي

12