الجفاف يخذل توقّعات دمشق لحصاد قياسي من القمح

سوريا أمام أزمة غذاء حادّة في الأشهر المقبلة.
الثلاثاء 2021/06/22
السوريون يواجهون خطر الجوع

شكك مسؤولون وتجار ومزارعون سوريون في تقديرات الحكومة بشأن الحصاد القياسي للقمح في الموسم الحالي، الذي أعلن عنه رئيس النظام بشار الأسد بسبب موجة الجفاف التي تضرب منطقة الشرق الأوسط، في ظل توقعات بالمزيد من المتاعب للسكان الذين يعانون أصلا من الأزمات منذ أكثر من عشر سنوات، في الحصول على الغذاء في الفترة المقبلة.

دمشق – اختزلت انطباعات العاملين في القطاع الزراعي السوري في ما يتعلق بحسابات محصول القمح للموسم الحالي مدى صعوبة تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، خاصة مع تأكيدهم بأن الحصاد سيقل كثيرا عن تقديرات الحكومة، التي اعتبرها مسؤولون وتجار ومزارعون مبالغا فيها بسبب موجة الجفاف.

وأظهرت تقديرات أولية من مسؤولين محليين وخبراء دوليين أن حملة “عام القمح”، التي أطلقها رئيس النظام بشار الأسد معرضة للخطر بعد انخفاض في معدل هطول الأمطار بما أحدث فجوة في الواردات تبلغ 1.5 مليون طن على الأقل.

ومن المتوقع أن تزيد المشكلات الزراعية ونقص التمويل للواردات الضغوط على الاقتصاد السوري، الذي يرزح بالفعل تحت وطأة صراع مستمر منذ عشر سنوات وعقوبات أميركية وانهيار مالي في لبنان المجاور وتبعات جائحة كوفيد – 19.

سلمان بارودو: هذا الموسم سيء للغاية مما سيؤثر على إنتاج الغذاء
سلمان بارودو: هذا الموسم سيء للغاية مما سيؤثر على إنتاج الغذاء

واعتادت سوريا إنتاج 4 ملايين طن من القمح كل موسم وكانت قادرة على تصدير 1.5 مليون طن سنويا. لكن انخفاض الإنتاج حاليا يضع حكومة الأسد تحت ضغوط متزايدة لاستيراد الحبوب.

وقالت روسيا، وهي من أكبر الدول المصدرة للقمح في العالم وحليفة الأسد، إنها ستبيع مليون طن من الحبوب لسوريا على مدار العام لمساعدتها على الوفاء بالطلب المحلي السنوي الذي يبلغ أربعة ملايين طن.

لكن وصول الشحنات تباطأ خلال السنوات الأخيرة مع تزايد شح التمويل، ولم تظهر بيانات الجمارك المتاحة أي إمدادات كبرى لسوريا.

ويقدر مسؤولون وخبراء في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) أن هناك حاجة إلى 1.5 مليون طن على الأقل من واردات القمح. وقالوا إن استهداف الحكومة شراء 1.2 مليون طن محليا يبدو حاليا غير واقعي إلى حدّ كبير.

ويقول عبدالله خضر (49 عاما) وهو مالك لأرض ومزارع في محافظة الرقة لوكالة رويترز إن “نقص الأمطار يعني أن محصوله سيكون ربع ما كان عليه في العام الماضي تقريبا”.

ويحاول الأسد تجنّب التعرض للضغوط من أجل ضمان استمرار تدفق إمدادات السلع الأولية الاستراتيجية مثل القمح إلى المؤيدين له في المناطق التي تخضع لسيطرته وتجنب خطر حدوث اضطرابات.

وتحتاج الحكومة السورية إلى ما يتراوح بين مليون و1.5 مليون طن من القمح سنويا لتوفير الغذاء لتلك المناطق.

وتحدث وزير الزراعة السوري محمد حسان قطنا عن مصير المحصول المحلي خلال جولة مع فريقه الأسبوع الماضي في محافظة الحسكة الواقعة في الشمال الشرقي للبلاد، والتي تعتبر سلة الخبز في البلاد، لكن أغلب المحصول هناك في يد الأكراد.

وقال قطنا إن “أثر التغير المناخي كان واضحا أثناء الجولة إذ تم استبعاد مناطق الزراعة المعتمدة على الأمطار وحتى المناطق التي تُروى انخفض محصول القمح فيها إلى النصف”.

ووفقا لخبيرين في الأمم المتحدة فقد يعني ذلك أن نصف المساحات المزروعة على الأقل والبالغة 3.7 مليون فدان (نحو 1.5 مليون هكتار) سيستبعد.

وقدر كبير من القمح المحلي مطلوب لتعزيز برنامج الدعم الحكومي للخبز. ومع نقص الكميات قد تجد دمشق نفسها في ورطة مع استمرار العقوبات الغربية على اقتصادها العليل.

1.5 مليون طن على الأقل تحتاج دمشق استيرادها هذا العام، بحسب تقديرات منظمة فاو

وانعكست المشكلات المالية في سوريا بالفعل في موجات نقص في الخبز في العام الماضي وشكا سكان من الانتظار في طوابير طويلة للحصول على الخبز في أنحاء المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة إذ اضطروا في بعض الأحيان للانتظار لما يصل إلى خمس ساعات.

وقال برنامج الأغذية العالمي في مارس إن عددا قياسيا من السوريين بلغ 12.4 مليون نسمة أي أكثر من 60 في المئة من السكان يعاني من انعدام الأمن الغذائي والجوع، وهو ضعف الرقم المسجل في 2018.

وذكر البنك الدولي أن اعتماد السوريين على الخبز المدعم يتزايد إذ دفع التضخم الهائل أسعار الغذاء إلى الارتفاع بأكثر من 200 في المئة العام الماضي.

وناشد قطنا المزارعين من قبل لإعطاء أولوية لزراعة القمح هذا العام، حتى يتسنى للشعب أن يأكل مما يزرع. وقال لوسائل إعلام رسمية في نوفمبر الماضي إن البلاد تواجه ضغوطا اقتصادية لا متناهية وإن “غذاءنا يعني وجودنا”.

محمد حسان قطنا: آثار التغيرات المناخية كان واضحا على زراعة القمح
محمد حسان قطنا: آثار التغيرات المناخية كان واضحا على زراعة القمح

ووفقا لبيانات منظمة فاو فقد أدت زيادة في المحصول العام الماضي إلى رفع سقف التوقعات بعد أن ارتفع بواقع 52 في المئة مقارنة بمتوسط خمس سنوات.

وقال مصطفى الطحان (36 عاما) وهو مزارع في ريف حماة الشمالي “زرعت 80 دونما لديّ على أمل أن يكون موسما جيدا… خسرت كل شيء والعائد قليل للغاية مع قلة الأمطار”.

ولا يزال نحو 70 في المئة من إنتاج القمح خارج نطاق سيطرة الحكومة ووضعها بصفتها المشتري الوحيد وقد أجبرها ذلك على المنافسة بمضاعفة سعر الشراء هذا الموسم إلى 900 ليرة (0.36 دولار) للكيلوغرام أو ما يتراوح بين 300 و320 دولارا للطن.

لكن من غير المرجح أن تحصل دمشق على أي إمدادات من المزارعين في المناطق الخاضعة لسيطرة إدارة يقودها الأكراد في الشمال الشرقي، حيث ينمو أكثر من 60 في المئة من قمح
البلاد.

وتتوقع الإدارة التي يقودها الأكراد وتتمتع بحكم ذاتي أن تجمع ما يقارب نصف محصول العام الماضي الذي بلغ 850 ألف طن بسبب نقص الأمطار وانخفاض منسوب المياه على ضفتي نهر الفرات حيث قل خمسة أمتار على الأقل.

ومنعت الإدارة الكردية حتى الآن أي عمليات بيع خارج مناطقها إضافة إلى عرضها أسعارا أعلى على المزارعين مقومة بالدولار لمنعهم من البيع لدمشق.

وقال مسؤولون أكراد إن تحديد سعر الشراء عند 1150 ليرة (0.46 دولار) للكيلوغرام بمبلغ أعلى بكثير مما تطرحه دمشق جاء لضمان حصول الإدارة في الشمال الشرقي على أكبر كمية ممكنة لتحقيق الاكتفاء الذاتي.

ونسبت وكالة رويترز إلى سلمان بارودو رئيس مجلس الاقتصاد والزراعة في المنطقة والمعني بشراء الحبوب لدى الإدارة الكردية، قوله إن “هذا الموسم كان سيئا للغاية بما سيؤثر بشكل كبير على إنتاج الغذاء”.

وقال مصدران كرديان آخران إن السطات الكردية، التي لها صلات تجارية مكثفة مع دمشق، رفضت حتى الآن وساطة روسية للسماح للمزارعين في مناطقها ببيع جزء من محصولهم لدمشق مثلما حدث في سنوات سابقة.

10