الجفاف يطرد المزارعين الأفغان من أراضيهم

السكان يعيشون حياة صعبة في المخيمات العشوائية التي تكاثرت في الأشهر الأخيرة بالمناطق الجافة التي تشهد يوميا تدفق نازحين تركوا كل ما يملكون وراءهم.
الجمعة 2018/10/12
من لم تشردهم الحرب شردهم شح الماء

هرات (أفغانستان) – اضطر مراد خان إسحق زاي إلى ترك أراضيه للمرة الثانية في حياته، غير أن الدافع وراء هذا النزوح القسري لم يكن الحرب بل موجة جفاف هي الأسوأ التي يواجهها هذا المزارع الأفغاني الثمانيني.

هذا الرجل الذي عمل طوال حياته في حقل للقمح هو من بين 250 ألف شخص شردهم الجفاف الذي أتى على المحاصيل وجوّع المواشي وضرب مخزونات المياه في جزء كبير من أفغانستان هذا العام.

واجتازت عائلات كثيرة المئات من الكيلومترات وجابت أراضي ولايات يتواجه فيها متمردو طالبان مع القوات الحكومية، ليحطوا رحالهم في هرات في غرب البلاد.

وأقام هؤلاء مخيّما عشوائيا بين الصخور في ضواحي عاصمة هذه الولاية.

ويروي إسحق زاي، أن الجفاف “قضى على الحقول” كما أن “مواشينا نفقت وتركنا حميرنا في الصحراء لأننا لم نعد قادرين على إطعامها”، متحدثا عن رحلته مع العائلة للهرب من منطقة غورماش حيث كانوا يعيشون في ولاية بادغيس عند الحدود مع تركمانستان.

وهذه المنطقة هي أكثر المناطق تضررا جراء الجفاف الذي تسبب به الانحسار الكبير في الثلوج والأمطار خلال الشتاء الماضي، ما كانت له تبعات سلبية على 2.2 مليون شخص في سائر أنحاء البلاد.

وشهدت أفغانستان التي يبلغ عدد سكانها نحو 20 مليون نسمة يعتمدون على الزراعة انخفاضا بنسبة 45 بالمئة في الناتج الزراعي هذا العام مع اشتداد حدة الجفاف وفقا لما قاله مسؤولون بوزارة الزراعة.

ويقول رفيق الله داودزاي إن حقوله بلغ بها الجفاف حدا تعذر معه نثر البذور بها هذا العام، وإنها المرة الأولى التي يضطر فيها إلى تفويت موسم الزراعة منذ أكثر من 40 عاما.

وتقع حقوله التي تبلغ مساحتها 60 فدانا على ضفاف نهر هلمند في أفغانستان غير أن البلاد تفتقر إلى البنية الأساسية لاستغلال المياه في ري المساحات الكبيرة.

وقال داودزاي، الذي يزرع القمح والعدس في الإقليم الجنوبي، “نستطيع رؤية مياه نهر هلمند. بل ويمكننا أن نذهب ونلمسها لكن لا نستطيع جلبها إلى أراضينا الزراعية. شيء محبط لكل مزارع أن يرى كميات كبيرة من مياه نهر هلمند تتدفق إلى إيران”.

ويعيش السكان حياة مأسوية في هذه المخيمات العشوائية التي تكاثرت في الأشهر الأخيرة بالمناطق الجافة التي تشهد يوميا تدفق نازحين تركوا كل ما يملكون وراءهم.

70 بالمئة من العائلات المشردة في الغرب الأفغاني يفتقرون لهذا الدواء

ويضطر سكان المخيم إلى مواجهة الغبار المحمول بالرياح التي تعصف باستمرار على الموقع.  ولا وسيلة ترفيه للأطفال سوى اللعب بالحجارة في أوقات الفراغ بعد التسول أو جمع القمامة في المدينة.

أما الرجال الذين كانوا يعيلون عائلاتهم فقد باتوا عاطلين عن العمل فيما تجلس النسوة القرفصاء لتحضير الخبز، الغذاء الوحيد للكثير من هؤلاء.

ويؤكد إسحق زاي معتمرا عمامة بيضاء “لو استطعت البقاء (في بادغيس) لما أتيت إلى هنا، حتى لو ملكتموني مدينة هرات برمتها”.

وهو اضطر قبل خمسة عشر عاما إلى ترك أراضيه بسبب موجة جفاف سابقة، غير أن هذه الموجة “هي الأسوأ في حياتي” على حد تعبيره.

وبفعل العدد المتزايد للعائلات المشردة، يواجه المسؤولون الأفغان والقائمون على المنظمات الإنسانية صعوبات في تلبية حاجات المأكل والمأوى والخدمات الصحية لهؤلاء المعوزين.

وأدى الجفاف الحاد الذي تعاني منه قطاعات كبيرة من أفغانستان إلى وضع خطط لبناء سدود جديدة لمساعدة المزارعين من أمثال داودزاي. وزاد هذا الجفاف من حدة التوترات مع إيران بسبب إمدادات المياه في هلمند في نزاع بدأ قبل العشرات من السنين وغذى اتهامات بأن لطهران دورا في تمرد حركة طالبان.

ويقول مسؤولون أفغان إن بلادهم، التي تعد مقدرات تخزين المياه فيها الأدنى في العالم، تحتاج إلى سدود إضافية لتغذية قطاع الزراعة الذي يمثل عماد الاقتصاد البالغ حجمه 20 مليار دولار والذي تأثر سلبا بشدة الجفاف.

ومع اقتراب الشتاء، دعا منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في أفغانستان توبي لانزر إلى تمويل دولي طارئ. وقال أخيرا للصحافيين في نيويورك إن “أكثر من 5.5 ملايين شخص يحتاجون للمساعدة” بسبب الجفاف والمعارك، مضيفا “إذا لم نتعمد بذل جهود إضافية لتلبية الحاجيات على المدى القصير، فإن المكاسب التي حققناها على الصعيد التنموي خلال السنوات الأخيرة قد تتبدد”.

ويحتاج نحو 1.4 مليون شخص إلى مساعدة غذائية طارئة، غالبيتهم في غرب البلاد، فيما نصفهم فقط تلقوا المعونة حتى اليوم بحسب تقرير أصدره أخيرا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

وبحسب المكتب، يفتقر أكثر من 70 بالمئة من العائلات المشردة في الغرب الأفغاني للغذاء و33 ألفا و200 طفل دون سن الخامسة ممن يعانون سوء التغذية الحاد يحتاجون إلى “رعاية صحية حيوية”.

ويقول ناو خان زمان زاي المتحدر أيضا من غورماش محاطا بأطفاله الستة، “كنا سعداء للغاية في مزرعتنا رغم الحرب المستمرة منذ سنين طوال. لكن بسبب هذا الجفاف، أطفالنا يتضورون جوعا”.

وبعدما شهد على نفوق رؤوس الماعز التي يملكها من دون أن يستطيع إنقاذها، يروي عبدالرزاق (30 عاما) المتحدر من ولاية مرغاب أنه باع ما تبقى من مواشيه بسعر لا يتعدى 10 بالمئة من قيمتها الأصلية قبل أن يلوذ بالفرار مع زوجته وأطفالهما الثلاثة.

ويخشى الثمانيني مراد خان إسحق زاي في ظل تدهور وضعه الصحي أن يموت قبل العودة مرة أخيرة إلى دياره. وهو يقول “حياتي شبه منتهية في هذه الدنيا.. ولا أملك حتى 10 أفغاني (حوالي 15 سنتا من الدولار) للذهاب إلى الطبيب”.

20