الجفاف ينذر بانتفاضة عطش في تونس

ينذر الجفاف بنشوب حروب طويلة المدى في العالم على الموارد المائية، وفي تونس يساهم نضوب المياه في غلاء المواد الغذائية لترتفع أثمانها إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه، ما يعني أن الطبقات متوسطة الحال ستشعل انتفاضات، في حين ستموت الطبقات الفقيرة جوعا إن لم تمت عطشا، وهي أزمة تستدعي حلولا سريعة لتوفير الماء على المديين القريب والبعيد.
الجمعة 2016/09/16
شح المياه يزيد الفقير فقرا

باجة (تونس) - شهدت تونس خلال فصل الصيف انقطاعات في المياه، وتراجعا في منسوب السدود، ونقصا في الري، نتيجة جفاف غير مسبوق ضرب البلاد منذ سنوات عديدة، ما أثار توترات اجتماعية في مناطق عدة.

ويتوقع بعض الخبراء أن مشكلة نقص المياه في تونس ستتفاقم مع حلول سنة 2030 بسبب تصاعد نسق الاستهلاك في الوقت الذي يستأثر فيه القطاع الفلاحي بنسبة 80 بالمئة من حجم الاستهلاك، ويحتكر القطاع السياحي نسبة كبيرة من المياه الصالحة للشرب من خلال تجديد مياه المسابح والاغتسال وري النباتات، فضلا عن المشكلات الأخرى التي تهدد القطاع على غرار التسربات الحاصلة في شبكة الشركة التونسية لتوزيع واستغلال المياه والشبكات الداخلية للمؤسسات العمومية والخاصة والمنازل.

يقول الخبراء إن مشكلة المياه في تونس ظهرت بشكل ملفت منذ التسعينات من القرن العشرين حيث بلغت نسبة المدخرات المائية للفرد الواحد ما يعبّر عنه بـ”خط النزاعات” أي أقل من ألف متر مكعب.

ويؤكد مهندس الهيدرولوجيا فاضل حتيرة، أن مشكلة قلة الموارد المائية تعود بالأساس إلى الاستغلال المكثف للمياه في الميدان الفلاحي الذي فاق نسبة الاستهلاك بالنسبة إلى مياه الشرب. مبينا أن نسبة استهلاك المياه تشهد تضخّما كبيرا مقارنة بالسنوات الماضية، مؤكدا أن الإشكال يكمن في أنّ هذا الاستهلاك المتضخّم يتمّ من مخزون محدود لم يقع تطويره.

وأضاف حتيرة أن الإشكال يتمثل في المناخ الجاف الذي تُعرف به تونس خاصة في الجنوب، حيث أنه عند نزول الأمطار بكميات كبيرة لا يقع استغلالها، وتذهب المياه سدى في اتجاه البحر، أمّا في جهة الشمال فإنّ الموائد المائية ضئيلة وطاقة استيعابها محدودة مقارنة بالجنوب والوسط.

وفي محافظة باجة (شمال غرب)، تراجع منسوب الماء في سد سيدي سالم، أكبر سدود تونس، إلى “أدنى مستوياته”، بحسب مدير السد شريف القاسمي، حيث بلغ مخزون مياه السد حتى مطلع الشهر الحالي 192 مليون متر مكعب مقابل 451 مليون متر مكعب في الفترة نفسها من 2015، وفق وزارة الفلاحة.

وقال القاسمي وهو ينظر إلى أسماك تسبح في مياه السد “نضخ كل شهر خمسين مليون متر مكعب من المياه، 80 بالمئة مياه شرب موجهة إلى مناطق في محافظات نابل ومنوبة وبن عروس (شمال شرق) وصفاقس وسوسة (وسط شرق)، والبقية تروي حقولا بولايات باجة ومنوبة ونابل”. مضيفا “إن لم تنزل الأمطار قبل نهاية سبتمبر سنصبح في أزمة كبيرة”.

وفي نهاية أغسطس الماضي، أعلن وزير الفلاحة آنذاك سعد الصديق أن الأوضاع ستصبح “كارثية” إن لم تنزل الأمطار قبل نهاية الشهر الحالي.

سدود بلا ماء

انتفاضة عطش

أدّى الجفاف إلى نضوب مياه سدود بأكملها ونفوق الأسماك فيها مثل سد “نبهانة” (وسط) الذي تبلغ طاقة خزنه القصوى 23 مليون متر مكعب.

وكان هذا السد يروي أراضي زراعية في القيروان وسوسة والمنستير والمهدية ويوفر يوميا خمسين ألف متر مكعب من مياه الشرب لسكان هذه المناطق، وفق وزارة الفلاحة.

ومنذ منتصف مايو، شهدت مناطق عدة في تونس انقطاعات لمياه الري والشرب كانت تتراوح بين بضع ساعات وثلاثة أيام، بحسب ما أعلن عنه الرئيس المدير العام للشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه محمد الداهش في مقابلة مع التلفزيون الرسمي، وقد أحصت وزارة الفلاحة أكثر من 700 انقطاع.

وقال منسق المرصد الوطني للمياه (منظمة غير حكومية) علاء المرزوقي إن المياه انقطعت في البعض من المناطق الداخلية “لفترات قاربت الشهر”.

وحذر المرصد من “انتفاضة العطش” ومن “تفاقم الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة في مختلف جهات البلاد”، في حال لم تجد السلطات حلولا عاجلة لأزمة المياه.

وفي نهاية أغسطس الماضي، بلغ مخزون المياه في السدود التونسية 746 مليون متر مكعب مقابل مليار و226 مليون متر مكعب في التاريخ نفسه من سنة 2015، علما أن الأمطار هي المصدر الرئيسي لمياه السدود في تونس.

وقال الوزير المكلف بالموارد المائية عبدالله الرابحي إن كمية الأمطار في تونس هذا العام أقل بحوالي ثلاثين بالمئة مقارنة بالعام السابق.

وبسبب نقص الأمطار، اضطرّ معز بن قيراط الذي يملك منبت أشجار مثمرة في منطقة الخليدية قرب العاصمة تونس إلى ري أشجاره بمياه بئر، لكنها سرعان ما نضبت.

وقال معز “لم يبق أمامنا سوى شراء المياه من القناة التي تمرّ من هنا في اتجاه ولاية نابل، ما يجعل كلفة الإنتاج ترتفع إلى ثلاثة أضعاف قيمتها”، مشيرا في الوقت نفسه إلى انخفاض منسوب مياه القناة المذكورة (قنال مجردة) إلى “حوالي النصف عما كانت عليه قبل عام فقط”.

الجفاف أدى إلى نضوب مياه سدود بأكملها ونفوق الأسماك فيها، مثل سد (نبهانة) الذي تبلغ طاقة خزنه القصوى 23 مليون متر مكعب.

يذكر أن أغلبية شرائح الشعب التونسي تشتكي من غلاء أسعار المواد الغذائية الضرورية إذ أن ارتفاعها إلى ثلاثة أضعاف سيساهم في إفقار أغلبية الشعب التونسي، وبالتالي سيساهم هذا الغلاء في موجة انتفاضات قد لا تنتهي.

وفي سنة 2016، كبد الجفاف قطاع الزراعة خسائر بنحو ملياريْ دينار (أكثر من 800 مليون يورو)، بحسب الاتحاد التونسي للفلاحة (النقابة الرئيسية للمزارعين).

وبين عامي 2012 و2013، ازداد استهلاك مياه الشرب في “تونس الكبرى” التي يقطنها 2.6 مليون نسمة بنسبة 12 بالمئة، بحسب تقرير للبنك الدولي، ما جعلها تشهد في 2013 “أول انقطاع لمياه الشرب”.

ودعت شركة المياه الحكومية المواطنين إلى الاقتصاد في استهلاك المياه، وقد أكدت أنه يرتفع بنسبة 30 بالمئة في الصيف.

قنوات متقادمة وماء ضائع

يذكر المرزوقي منسق المرصد الوطني للمياه، بأن دراسات أعدها البنك الدولي منذ أكثر من عشر سنوات “حذرت من أننا سنصل إلى هذا الوضع بسبب التغيرات المناخية، لكن الدولة لم تضع ما يتعين من استراتيجيات تحسبا لذلك”.

ويضيف أن “نسبة كبيرة من المياه تضيع بسبب تقادم شبكة القنوات” التي يبلغ طولها، بحسب وزارة الزراعة، 70 ألف كلم.

وخارج أوقات الجفاف، يؤدي تكلس المياه داخل القنوات وإعطاب معدات ضخ تجاوز عمر بعضها 30 عاما، إلى انقطاع المياه، وفق وزارة الفلاحة.

يقول الداهش إن شركة المياه لا تملك التمويل اللازم لصيانة القنوات أو تجديدها بسبب ارتفاع ديون الشركة المتخلدة لدى

المواطنين والشركات الخاصة والعامة والتي بلغت نحو 150 مليون دينار (60 مليون يورو) في 2016.

وبعد ثورة 2011، تعطل إنجاز مشاريع مائية جديدة في تونس مثل بناء السدود وحفر الآبار العميقة. وبحسب السلطات، رفض مواطنون إقامة مشاريع على أراضيهم وطالب

آخرون الدولة بتعويضات مالية أعلى بكثير مما اقترحته مقابل السماح لها باستخدام أراضيهم.

وعندما تسلمت الحكومة السابقة برئاسة الحبيب الصيد مهامها مطلع فبراير 2015، بلغت قيمة المشاريع المائية “المعطلة أو التي كانت تسير ببطء كبير، حوالي 935 مليون دينار (378 مليون يورو)”، وفق وزير الفلاحة السابق سعد الصديق. إلا أن الرابحي أكد استئناف العمل في أغلب هذه المشاريع خلال الفترة الأخيرة.

ويقول “بالإضافة إلى بناء السدود وحفر الآبار العميقة الجديدة، سنبني محطات لتحلية مياه البحر في جربة والزارات (جنوب) وصفاقس (وسط)”.

لمن الأولوية

اجمع الخبراء على ضرورة التدخل العاجل والسريع واستنباط الحلول العملية لتأمين الماء للأجيال القادمة وذلك عن طريق وضع برنامج على المدى القصير والمتوسط والبعيد، ينبني على دراسات معمقة وعلى تضافر الجهود على المستوى الوطني والدولي.

ويقول هؤلاء الخبراء إن المجهود الدولي يكمن في توفير التمويلات للدراسات المعمقة لذلك لا بد من تفعيل الدراسات المتوفرة سابقا رغم قلتها من أجل الحصول على هذه التمويلات.

ولتفادي المزيد من تفاقم المشكلة المتمثلة في نقص الموارد المائية فإنّه لا بدّ من المزيد من ترشيد الاستهلاك خاصة في المجال الفلاحي، وتكثيف السدود وربطها ببعضها البعض وذلك لتزويد جميع المناطق الداخلية بالماء، وأيضا المحافظة على المخزون المائي المتوفر والمزيد من تطويره، وأيضا تعويض السدود غير الصالحة للاستعمال بأخرى؛ مثال ذلك تعويض سدّ «ملاق» الذي تم بناؤه سنة 1954 والذي أصبح غير صالح للاستعمال وإنجاز سدّ آخر في المكان نفسه.

ولقد التجأت تونس إلى حل مشكلة المياه إلى بناء محطات تحلية مياه البحر وهو حل ناجع على مستوى توفير مصادر جديدة لا تنضب للمياه، إلا أن كلفتها كبيرة جدا وقد أشارت وزارة الفلاحة في وقت سابق إلى أن مشاريع تحلية المياه تصل كلفتها الجملية إلى ألف مليار وهي بصدد الإنجاز في

كل من قرقنة والزارات وقابس، كما أن مشروع تحلية المياه بجربة تفوق كلفته 18 مليون دينار.

هذه المخصصات المالية لهذه المشاريع وغيرها في نفس المجال بمدنين وجهات أخرى من الجنوب التونسي هي كلها متأتية من قروض كان آخرها من البنك الألماني.

20