الجلجلة الجنوبية تُسقط الثنائية الشيعية

لم تعد قصة الإرهاب والخطر الإسرائيلي واستهداف الطائفة الشيعية أدوات قابلة لإسكات الشيعة وتحويلهم إلى طائفة.
الثلاثاء 2019/10/22
لبنان فوق الجميع

لم تندلع الثورة الجنوبية “الحمراء” المشهودة من عبث أو غوى أو ترف، إنها كظم لغيظ تاريخي من الثنائية الشيعية المستبدة، ولعل أشدها حركة أمل في بعض أوجهها المعيشية والاجتماعية. الجنوبيون المنتفضون على حكامهم يشتركون في الهم مع معظم اللبنانيين المنتشرين في ساحات الحرية، إلا أن لديهم “جلجلتهم الجنوبية” الشيعية التي يرزحون تحتها منذ أكثر من ثلاثين عاما.

يبدو أن حُسن طالع الجنوبيين، الذين لم يهضموا قبل نحو شهر “التزكية المقيتة” لنتائج الانتخابات النيابية الفرعية في مدينة صور، قَيَّضَ لهم أن يردوا صاع سرقة الديمقراطية منه صاعين. الانتخابات لم تجر لانسحاب المرشحتين الوحيدتين في مقابل مرشح الثنائية الشيعية، في معزل عن التفاصيل التي حالت دون إجراء الانتخابات، جل ما أراد أن “يزوره” طرفي الثنائية الشيعية أن أبناء صور هم موالون لهذه الثنائية، إلى درجة أن أحدا لا يترشح في مواجهة مرشحهما “المقاوم” إلى الانتخابات النيابية.

لعل هذه الانتخابات التي لم تجر، كانت ذروة من ذروات الإهانة المستمرة للناس. الإهانة في تقديمهم وهم يعانون من سلطة الاستئثار والفساد، على أنهم يوالونها ولا يختلفون معها، وملزمون ليس فقط بتقبّل الهزيمة الانتخابية، بل ملزمون بأن لا يترشح أحدهم في مواجهة مرشح هذه السلطة، حق الترشح ممنوع فما بالك بحق التنافس الانتخابي.

ليس صدفة أن يتوجه بعض المتظاهرين مع بدء الاحتجاجات الشعبية في بيروت إلى استراحة صور ومن ثم إحراقها، من دون أن تتضح صورة ما حصل. ليس صدفة، لأن في ما جرى ما يشكل رمزية ذات دلالة لا تخفى على أبناء صور والجنوب عموما، فهذه الاستراحة المملوكة للدولة اللبنانية، مستثمرة من قبل مستثمر، شائع منذ أكثر من عشرين عاما أنه واجهة لعقيلة الرئيس نبيه بري، على الرغم من بيان النفي من مكتب بري أنها لا تخص “حرمه”، وهو بحد ذاته إدانة جديدة لكون القاصي والداني يعرف هذه الحقيقة التاريخية، كما وقائع أخرى.

وهي بالتأكيد غيض من فيض ما يتداوله الجنوبيون عن حجم الثروة التي تجمعها “السيدة رندا” من خلال مقاسمة المستثمرين في الجنوب بنسب مالية تتجاوز النصف أو تقل عنه بقليل. هذه الحكايات بات يعرفها اللبنانيون وتحوّل جزء منها إلى نوع من النكات التي تتردد في كل مناطق الجنوب.

خرج المحتجون، كما العديد من المناطق اللبنانية، في مدينة صور قبل يومين، شباب وشابات اندفعوا كما لم يفعل أحد من قبل في زمن سيطرة الثنائية الشيعية، ذلك أن مطالبة السلطة بالحقوق كان من المحرمات، لاسيما إذا كان الوزراء ونواب صور كلهم ينتمون إلى حزبيْ الثنائية الشيعية. خرج الشباب وطالبوا بإسقاط الحكومة بل النظام الحاكم من رأسه إلى قاعدته، الذي كان مفاجئا لهم قبل غيرهم، لكنهم اخترقوا العوائق النفسية والمادية وكسروا حاجز الخوف، فبادر بعض مناصري حركة أمل باستباحتهم أمام أعين القوى الأمنية وبالرصاص الحي وجرى تشتيتهم، لكن هذه المرة كان الإصرار على البقاء أقوى من الانزواء والهروب.

في مدينة النبطية التي تجرأ المحتجون فيها على التعرض لمكتبي نائبي المدينة محمد رعد وهاني قبيسي وقبلهما منزل النائب ياسين جابر، كانوا بذلك يوجهون رسالة شديدة الوضوح بأنكم أنتم من يتحمل مسؤولية ما وصلت إليه الأحوال من بؤس، وما وصلت إليه الدولة من ترهل وتسيب في مؤسساتها.

ليس خافيا أن الثنائية الشيعية هي من تتحكم بالتمثيل النيابي والوزاري الشيعي منذ مدة من الزمن، ودائما باسم التكليف الشرعي كان يساق الناخبين إلى انتخاب مرشحي الثنائية، وإلى الالتفاف حول وزرائها ومسؤوليها والرضوخ إلى كل ما يطلبونه من الناس، لكن ذلك لم يعد على حاله اليوم. الاحتجاجات في البيئة الجنوبية والشيعية تحديدا، أظهرت أن هناك جرأة عبّر عنها المحتجون دون تهيب، وصوبوا على الثنائية الشيعية سهامهم، وطالبوا بحقهم بأن يكونوا مواطنين في دولة، لا مجرد أتباع منبوذين من سلطة الطائفة.

ما يريده المحتجون هو حقوقهم كمواطنين، أسوة ببقية المحتجين والمنتفضين في كل لبنان، حقهم في العمل والتعلم والصحة، وحقهم في الكرامة الإنسانية التي باتوا يفتقدونها بصمتهم عن الظلم الذي يحاصرهم، بالإهانة لهم كمواطنين لهم هذه الحقوق، والاستهانة بهم من خلال نهب الدولة ومقدراتها لحساب الأزلام والمقربين من هذه الثنائية

في خطابه، السبت الماضي، قال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله إن العهد هو بحمايته وكذلك الحكومة التي لن تسقط. لم يتعامل المحتجون الشيعة في البقاع والجنوب، بأن ما يقوله نصرالله هو بمثابة دعوة إلى السكون، بل كان الرد بمزيد من الحشود في صور وفي النبطية والتي زادت وتضاعفت بعد خطاب نصرلله عما كان عليه الحال قبل الخطاب.

لم يوجه المحتجون أي كلمة مسيئة لشخص السيد، بل ردوا على خطابه بالإصرار على إسقاط الحكومة، وهذا ما لا تستسيغه المعادلة السياسية والسلطوية المسيطرة، لكن ما قاله المحتجون وما يشددون عليه، ليس انتزاع السلطة من يد هذه الثنائية التي تحكمهم منذ العام 1992، بل حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية كمواطنين. هذه المطالب هي ما يجتمع عليه المحتجون، والذين وقفوا في وجه سلاح الميليشيا وسطوتها في صور والنبطية وغيرهما، بحيث بدا واضحا أن ما بعد 16 أكتوبر يختلف عما قبله، ثمة جدران تهاوت و”تابوهات” سقطت أمام حق الناس في الحياة بكرامة.

لم تعد قصة الإرهاب والخطر الإسرائيلي واستهداف الطائفة الشيعية أدوات قابلة لإسكات الشيعة وتحويلهم إلى طائفة. لقد قال المحتجون “نحن المواطنون اللبنانيون نختلف ونتنوع لكننا لبنانيون للوطن، له حق علينا ولنا حق عليه ولن نسمح لكم هذه المرة أن تنالوا منه”.

8