الجلود في فاس كالحرير في شنغهاي

السبت 2014/08/02
ألوان المنتوجات الجلدية الزاهية تخفي مهنة شاقة توارثها المغاربة

فاس (المغرب)- تشتهر مدينة فاس المغربية بمهنة دباغة الجلود، ولا تزال تلك المهنة تتبع الطريقة التقليدية واليدوية، حيث تستخدم المواد الطبيعية مثل الكركم وقشور الرمان والليمون وفضلات الطيور لتلوين الجلود.

تشتهر مدينة فاس العتيقة، شمالي المغرب، بمحافظتها على حرفة دباغة الجلود بالطريقة التقليدية، التي مارسها حرفيو المدينة منذ قرون. مباشرة من المسلخ، تنقل جلود البقر والغنم والماعز، إلى واحدة من “دور الدبغ” المتبقية بأكثر الأحياء الفاسية جذبا للسياح، لتبدأ مرحلة تحضيرها قبل أن تنتقل إلى ورشات صانعي الأحذية التقليدية، والملابس الجلدية، والأحزمة، والمجالس، وأدوات المكاتب.

بأحد الأزقة المجاورة لساحة النجارين، يطل سطح منزل، تحول إلى بازار (متجر لبيع الصناعة التقليدية) على “دار الدبغ” سيدي موسى، حيث اشتغل “المعلم” العلوي عبدالله (يقال “المعلم” لكل حرفي متمكن من حرفته ضابط لأصولها) لسنوات طويلة، قبل أن يتفرغ لبيع السترات الجلدية والحقائب اليدوية وغيرها من المنتوجات الجلدية، التي كان يساهم في دباغة المادة الأولية التي تحتاجها هذه الصناعة: الجلد.

لا تتم دباغة المنتوجات الجلدية إلا بمواد طبيعية

يقول المعلم عبدالله: “قبل قرنين، كانت توجد بفاس نحو 19 دارا”، مؤكدا أن دباغة الجلد مهنة متأصلة في الأوساط الفاسية، وحرفيوها توارثوا تقنيات الدباغة بشكل واسع.

ويضيف عبدالله وفي عينيه نظرات افتخار وثقة بالنفس: “رغم الروائح الكريهة، المنبعثة من دار الدبغ، قبل أن تصبح الجلود جاهزة، فإننا بفاس، نتميز بتحضير جلود مـن جــودة عالــية، لا تنبــعث منها أي رائــحة”.

وأشار “المعلم” إلى أن الجلود التي تستخدم في نسيج الملابس الجلدية العصرية، تتم دباغتها بمواد كيماوية، لكن الجلود المخصصة للصناعة التقليدية، فلا تتم دباغتها إلا بمواد طبيعية.

ويشرح هذا الحرفي والابتسامة لا تفارق محياه الطرق المتبعة لدبغ الجلود قائلا: “تتم عملية الدباغة على مراحل، فبعد سلخ جلد الماشية يبدأ الدباغ عمله، إذ يترك الجلد بما عليه من ملح تحت الشمس قرابة الأسبوعين، حتى يجف من الماء، ثم تشق الجلود باستخدام سكين لتفصل الصوف عن الجلد بعد أن تغسل بالمياه حتى تصبح رطبة، بعد ذلك يخلط “السم الأزرق” (مادة سامة تستخدم عادة من طرف المزارعين لحماية حقولهم من القوارض) بماء ويترك فيه الجلد إلى أن يصبح لونه أزرق، ويضاف عادة الزيت لزيادة نعومة الجلد”.

توضع الجلود في "المركلة" أو الأحواض لمدة أسبوعين لتجف

وتتم صباغة الجلود -يضيف المعلم- “باستعمال زق (فضلات) الحمام وقشور الرمان والزعفران، لتوضع في أحواض لمدة عشرة أيام، بعدها تعاد الجلود لتدبغ مرة أخرى وتصنف بعد ذلك حسب النوع واللــون”.

مثل هذه الشروحات، تكون في الغالب أدلة وحججا كافية، لأصحاب البازار، حتى يقنعوا السياح بدفع أثمان مرتفعة مقابل المنتوجات الجلدية التقليدية، بعدما شاهدوا المراحل التي تمر بها دباغة الجلد، والعناء الذي يواجهه حرفيو دار الدبغ، من فوق سطح بنايات مدينة فاس.

يذكر أن دار الدباغة التقليدية التي تسمى في فاس بـ”العرسة” أو “الكبيرة” أو”شوارة” أو”الدورية” هي أقدم وأعرق دار دباغة تقليدية للجلود في العالم العربي، حيث تعود إلى أكثر من 12 قرنا، وقد اكتسبت شهرة عالمية واسعة لميزتها وجودتها، حيث يتم استخدام منتجات نباتية وطبيعية في دباغة الجلود. كما أن حوالي 70 بالمئة من السياح الأجانب يزورون فاس للتعرف على هذه الصناعة.

20