الجماعات التكفيرية بين تعريب الإسلام و"أسلمة" القومية

يعتبر الإسلام السياسي الهوية القومية في البلاد العربية خصما لدودا وخطيرا يجب محاربته بل آفة تهدّد “مشروعه”، وتبدو هذه من أغرب “البدع” وأعقدها لمن لا يتناول بالقراءة والتحليل أسباب هذا الجنوح، لكنه يقف عند تداخلات و”مغازلات” من هنا وهناك حين تتقاطع المصالح السياسية والسلطوية على وجه التحديد.
الاثنين 2016/04/25
بالكاد يظهر العلم الوطني أمام رايات الإسلاميين

تونس - تصالحت شعوب كثيرة بين هويّتها الوطنية وانتمائها الديني ولم يتصادما أو يشكّلا انفصاما ينذر بالفتنة أو زعزعة الاستقرار والسلم الأهلي مثل الكاثوليكية في فرنسا والبروتستانتية في أميركا وبريطانيا والبوذية في كمبوديا أو حتى الإسلام نفسه في تركيا وماليزيا، والذي انصبغ بالتقاليد القومية لهذه البلدان.. فلماذا إذن “يتحسّس” الإسلاميون العرب دون غيرهم من مجرّد ذكر الهوية العربية ولو على سبيل الخصوصية الثقافية لا الأيديولوجية السياسية؟

لقد ذهب الإسلام السياسي بعيدا في “إحراج” الناس وإجبارهم على الاختيار بين أن تكون عربيا أو مسلما دون خلط، وكأنه لا يجوز الجمع واللقاء بين هذين التوصيفين مثل “التقاء ساكنين في جملة النحو العربي”، فلماذا هذا الإصرار على اعتبار العروبة والدين الإسلامي ماء لا يلتقي بالنار إلاّ ليطفئها أو نارا لا تجتمع بالماء إلا لتبخّره، لكنّ هذا الفصل يخفي نقيضه أيضا وهو القول بعدم الفصل شرط أن يكون تحت عباءة الإسلاميين.

تأخذ “معضلة العروبة والإسلام” منحى إشكاليّا ساهمت عوامل عديدة في خلقه وتأجيجه منذ مرحلة حكم عبدالناصر في أوّل صدام عنيف بين الفريقين على الساحة المصرية رغم تداخل الحيثيات والتباس الوقائع، إضافة إلى حالات الاحتضان والمصاهرات السياسية المتبادلة، لكنّ الطلاق أصبح “بائنا” في سبعينات القرن الماضي وتعمّق الشرخ أكثر في سوريا مع بداية الثمانينات بين الإخوان والنظام البعثي ليعلن قطيعة تجاوزت الطرح الأيديولوجي وتمحورت حول احتدام الصراع على السلطة الذي أخذ شكلا دمويّا ذا طابع طائفي وتمترس فيه “العدوّان” خلف قوى إقليميّة حين كان الاستقطاب الثنائي جاهزا للانقضاض على أي خلاف حول السلطة في المنطقة.

أوّل خلافات الإسلام السياسي مع العروبة هو أنه يطرح نفسه أكبر منها وأوسع بالمعيار القيمي التفاضلي وذلك اعتمادا على أسس نظرية تدّعي أنها تنطلق من النص المقدّس وتشرح جوهره كرسالة أكثر شمولية، كل ذلك بما يخدم أيديولوجيته وحدها، وهذه القيم هي بالفعل إنسانية التوجّه في بعدها الكوني والأخلاقي كمحو الفارق بين “العربي” و”الأعجمي”، لكنّها كلمة حقّ يراد بها شيء آخر، فهم يحاولون ليّ عنقها بما يتلاءم مع ما يريدون الذهاب إليه، بدليل أنهم لا يتباهون بأنّ كتاب الله قد أنزل بلسان عربي فصيح ولا حتى بما يسميه الدارسون بـ”الإعجاز البياني” في القرآن، بل وحتى يتغافلون عن التذكير بعروبة نبي الإسلام، كل هذا لا يعني الإسلام السياسي في شيء ويعتبرونه ضربا من “التمييع الاستشراقي”.

وبعكس الكثير من العروبيين، والمسيحيين منهم على وجه الخصوص، فهم لا يتوانون عن الافتخار بالإرث العربي للدعوة المحمدية والقيمة الثقافية للموروث الإسلامي حتى وإن كانوا لا يتبنونه كعقيدة روحية، إذ يعتبرونه جزءا من “الإرث التاريخي للأمة” حتى أنّ واحدا من كبار منظريهم وهو ميشال عفلق يشبّه العروبة بجسد تسكنه روح اسمها الإسلام.
معضلة العروبة والإسلام تأخذ منحى إشكاليا ساهمت عوامل عديدة في تأجيجه منذ مرحلة عبدالناصر في أول صدام بين الفريقين

ويقول محلّلون ودارسون كثيرون، إنّ الذي جعل العرب المسيحيين يتحمّسون أكثر للفكر القومي العربي في المنتصف الأول من القرن الماضي، هو ذاكرتهم التي مازالت “طرية” وتحفظ هول الظلم الذي عاناه آباؤهم وأجدادهم أثناء الحكم العثماني خصوصا في بلاد الشام وما شهدته من أحداث دموية في منتصف القرن التاسع عشر، ممّا أوجد الذريعة للتدخلات الأوروبية بطرق مختلفة تحت اسم حماية الأقليات، وشجّع كذلك النخب المسيحية على التبشير بالفكر القومي كحلّ يقترب من العلمانية الأوروبية خوفا من “الغول الإسلامي” الذي يمكن في نظرهم أن يبتلعهم ويطحنهم بفكّين عثمانيين.

وفي المقابل يرفض الإسلاميون فكرة التشارك في المواطنة بمفهومها الجغرافي أو عقدها الاجتماعي، إذ يركّزون على العقيدة كمرجع ومنطلق وغاية، كما يؤكد على هذا قول أحد قادتهم في مصر “بأنّ المسلم الماليزي أقرب إليه من القبطي المصري”، لكنّ لسائل أن يسأل هل يعتبر الماليزي المسلم بالمقابل مواطنه البوذي مثلا خصما وعدوّا أمام “أخيه” المسلم المصري؟ وهل جعله الإسلام رافضا لقوميته وناكرا لها؟ لكنّ واحدا من الكتّاب الإسلاميين وهو طارق البشري يقول إنّ العكس هو الصحيح وإنّ القوميين هم الذين لا يقبلون بالإسلام والإسلاميين في إشارة إلى أنّ غالبيتهم هم من المحسوبين على اليسار وما يمكن أن تحيله هذه العبارة في أذهان البسطاء حول فكرتي “الإيمان” و”الكفر”.

ما يزيد من تشعّب هذا الموضوع والتباساته هو أنّ الفريقين يتراشقان الاتهامات ويحاول كل طرف أن يضع الكرة في ملعب الثاني خصوصا أنّ التداخل بدا واضحا في بعض التحالفات السياسية التي لم تعمّر طويلا، مثل ما أقدم عليه النظام السوري (أكبر الرافعين للشعارات القومية) عبر احتضان جماعات إسلامية ملاحقة من حكوماتها في الوقت الذي يقبع فيه معارضوه من الإسلاميين في السجون كما فعل مع حركة حماس قبل أن تتمرّد عليه قادتها الآن وتصبح “عدوّه الأول” بعد سنوات الدلال التي سعى فيها إلى ضرب منظمة التحرير الفلسطينية من خلال دعم حماس وتسليحها وتقريبها من جماعة حزب الله حليفه “الإيراني” ، كما يمكن بالمقابل التوقف عند بعض “المغازلات الإسلامية” للمنظومة العروبية كما يفعل راشد الغنوشي من خلال حضوره مؤتمرات الأحزاب القومية وتأكيده على “وحدة المصير” في علاقة يحلو لبعضهم تسميتها بـ”العداقة” كنحت لغوي بين العدو والصديق.

ما تقدّم يطرح سؤالا جوهريّا حول حقيقة الإسلام السياسي في المنطقة العربية والمهمّات الموكولة إليه وذلك من خلال مقاربات تخصّ الهوية وعلاقتها بمستقبل المنطقة وكيفية اقتسام الثروة والنفوذ وإعادة رسم الخرائط عبر خلط الأوراق وخلخلة العلاقات العمودية والأفقية.

13