الجماعات الفنية رماد لوهج قديم

المتغيرات التي يشهدها العالم في ظل الثورة التقنية والتكنولوجية ساهمت في إحلال بدائل للجماعات الفنية بشكلها التقليدي.
الاثنين 2018/04/09
من لوحات التشكيلي مصطفى الرزاز

رغم ما قدمته الجماعات الفنية من تغييرات جوهرية في الفن المصري، فقد خفت وهجها تدريجيا حتى تلاشى تاركا البعض من الرماد، ما يجعلنا نتساءل هنا لماذا لا يمكن الحديث راهنا عن جماعات فنية مؤثرة على الساحة المصرية؟ ما الذي جعل الفنانين ينأون عن الانضواء تحت جماعة واحدة لمعالجة قضايا فنهم وعصرهم؟ “العرب” توقفت في تحقيق مع عدد من الفنانين والنقاد لمناقشة المسألة المطروحة.

في عام 1923 تأسست في مصر جماعة الخيال، التي ضمت عددا من كبار الفنانين التشكيليين آنذاك منهم محمود مختار وراغب عياد ومحمود سعيد، وقد وضعت الجماعة إحياء الفن المصري بأشكاله كافة كهدف رئيس لها، أقامت معرضها الأول بعد أربعة أعوام إلا أنه سرعان ما تفرق جمعها بعد سفر محمود مختار إلى باريس. وفي العام 1936 تأسست “رابطة الفنانين المصريين” التي ضمت النحات أحمد عثمان وعبدالعزيز فهيم وغيرهما، وكان هدفها مناهضة الحركة الاستعمارية في الفن والترسيخ للفن المصري لتتوقف لاحقا بسبب الظروف السياسية.

حراك فني

بعد ثلاث سنوات، تأسست واحدة من أشهر الجماعات التشكيلية على أيدي جورج حنين ورمسيس يونان وكامل التلمساني وأنور كامل وغيرهم بعنوان “الفن والحرية”، وسعت الجماعة الوليدة آنذاك إلى نشر المؤلفات الحديثة في الفكر والثقافة والتعريف بالحركات الأدبية والفنية في العالم. تأثرت الجماعة بالانفتاح الثقافي إبان الحرب العالمية الثانية وسعت إلى تمصير السريالية وترجمة هذه التوجهات من خلال معارضها الجماعية والفردية. وفي الوقت ذاته الذي شهد ولادة هذه الجماعة تأسست جماعة “الفنانين الشرقيين الجدد” التي سعت للحفاظ على الشخصية المصرية لكنها انضمت لاحقا إلى جماعة “الفن والحرية”.

في الماضي حملت جماعات فنية على عاتقها مهمة تقدم الفن التشكيلي وتطوره والتعريف بجديد الفنون والاتجاهات الحديثة
 

وشهدت فترة الأربعينات ولادة جماعة “الفن المعاصر” التي أسسها حسين يوسف أمين والتي ركزت اهتمامها على الموروث الشعبي الأسطوري، وتزامن معها ظهور جماعة “الفن المصري الحديث” التي تأثرت بالتحولات الاجتماعية والسياسية في مصر. وفي الخمسينات أسست مجموعة من الفنانين جماعة “لاباليت” وأعقبتها في الستينات جماعة “التجريبيين” ثم جماعة “المحور” في الثمانينات.

في ذلك الماضي، حملت جماعات على عاتقها مهمة تقدم الفن التشكيلي وتطوره والتعريف بجديد الفنون والاتجاهات الحديثة في الغرب، وتأسست بناء على وعي بطبيعة المتغيرات المجتمعية والسياسية التي أصر الفنانون أن يكونوا جزءا من حراكها وأسئلتها، ومن جهة أخرى ساهم ذلك الوعي الفني لدى الفنانين في هذه السنوات في فتح قنوات اتصال مع الجمهور والتأسيس لثقافة تشكيلية نشهد تراجعها في الوقت الراهن مثلما تراجعت تلك الهموم والأهداف في تطوير الفن والنهوض به لدى فناني القرن الحادي والعشرين، ولدى فئات من الشباب شهدت تغيرات ثورية في العالم العربي إبان الثورات العربية إلا أنها لم تنعكس بوضوح على فنهم وتوجهاتهم التي آثرت النظر إلى المصالح الفردية.

ويقول الفنان والناقد التشكيلي المصري صلاح بيصار “ارتبط ظهور الجماعات الفنية بالمتغيرات الفنية في العالم وتغيرات المجتمع كذلك، ومن ثم نشأت جماعات تعبر عن اتجاهات فنية جديدة وتقدم أنشطة فنية مهمة؛ فجماعة كالفن والحرية جاءت استجابة للتغيرات الفنية في العالم خصوصا بعد الحرب العالمية الأولى، وأرست للسيريالية في مصر في فترة كانت تشهد فقدان الثقة في كل شيء وهو ما انعكس على الفنانين.

ويوضح بيصار أمين عام نقابة التشكيليين المصريين أنه في الوقت الراهن ثمة جماعات متناثرة على الساحة الفنية لكن ليس لها تأثير كبير؛ فالمتغيرات التي يشهدها العالم في ظل الثورة التقنية والتكنولوجية ساهمت في إحلال بدائل لتلك الجماعات بشكلها التقليدي، سواء من خلال اتصالات سريعة ومكثفة على شبكات التواصل الاجتماعي أو بأشكال أخرى كورش العمل والجاليريهات التي تشهد تجمعات فنية بشكل مغاير أكثر تناسبا مع الظروف الراهنة واستجابة لرغبات الفنانين في أن يكون لهم مشروعهم المستقل.

وفي الوقت ذاته، يمكن النظر إلى مسألة الجماعات الفنية من منظور الظروف السياسية والاقتصادية المتدهورة التي بدورها تؤثر على الحركة الفنية والثقافية ككل.

موقف فكري

من لوحات السرياليين المصريين
من لوحات السرياليين المصريين

ينوه الناقد والفنان المصري عزالدين نجيب إلى أنه لم يعد هناك وجود فعلي لجماعات تشكيلية في مصر في الوقت الراهن، فخلافا للجمعيات الفنية الأهلية التي لا تزال قائمة حتى الآن مثل جمعية أتيليه القاهرة وجمعية محبي الفنون الجميلة وغيرهما، فلا أثر لجماعات فنية فاعلة على الساحة الفنية منذ قيام ثورة يوليو 1952 باستثناء جماعات قليلة لم يكتب لها الاستمرار طويلا.

ويعزي نجيب غياب الجماعات الفنية إلى افتقاد مناخ الحرية والفكر والديمقراطية، فظهور الجماعات الفنية ارتبط بموقف فكري سياسي ولم يكن موقفا فنيا مهنيا، وما يشغل بال الفنانين التشكيليين في الوقت الراهن في الكثير من الدول العربية هو الفن كإنتاج وإبداع وأساليب، إلى جانب اتجاههم برؤيتهم نحو الغرب، فالفن في مصر والكثير من العالم العربي أسير لتوجهات الفنون الغربية، وما يشغل الفنان هو ملاحقة ما يجري في هذه البلدان سعيا وراء وهم العالمية.

ويلفت الناقد المصري إلى أن ظهور الجماعات الفنية المؤثرة في الأربعينات كان ارتباطا بالتغيرات الاجتماعية والثورية في المجتمع؛ ومن ثم فغياب الجماعات الفنية انعكاس لمناخ غير ثوري لا يشبه بأي حال تلك الفترة.

أما ما يطلق عليها جماعات فنية في الوقت الحالي فلا تتعدى كونها جماعات وليدة مواقع التواصل الاجتماعي، بلا أي عمل مشترك على أرض الواقع أو مشروع فني وثقافي من أجل النهوض بالفن.

الفنان التشكيلي مصطفى الرزاز يشدد على أنه لا وجود لأي جماعات فنية في الوقت الراهن؛ فكل ما هو موجود حاليا تحت مسمى الجماعات لا يتعدى كونه مجموعات من الفنانين ليس لديها مشروع مؤسس وفارق.

بصفة عامة يمكن أن نرجع آخر وجود للجماعات الفنية إلى الثمانينات حينما تم تأسيس جماعة “المحور” في مواجهة النزعة الفردية في المجتمع الفني بعدما مرت مصر بأزمة حقيقية إبان قرار الانفتاح.

ويقول الرزاز “جاءت الجماعات الفنية بدءا من جماعة الخيال في العشرينات مرورا بجماعة الفن والحرية والفن المعاصر وغيرها في مواجهة أزمات مجتمعية وفنية؛ بعضها جاء لمواجهة التغريب وتقليد الفن الأوروبي، وأخرى تأسست لإدخال التيارات الحديثة إلى المجتمع المصري، والبعض الآخر انضم في جماعة للتعامل مع أزمات المجتمع المصري والجماعات المهمشة للتفكير في الفن التراثي والشعبي وغير ذلك من الأهداف الثقافية.

ويبدو أن غياب الجماعات الفنية في الوقت الراهن، حسب ما يرى الرزاز، جاء بسبب غياب الشعور لدى الفنانين بأن ثمة أزمات تستحق أن يعملوا سويا في سبيل مناقشتها والنظر فيها.

15