"الجماعات": تواطؤ الكهوف والقصور

السبت 2013/12/28

تزدهرُ في العقود الأخيرة “تجارة” مكافحة الجماعات الجهادية، بحيث يتم في ذلك السياق تسويق ما تيسّر من بضائع وفظائع من قبل الموردين المحليين والدوليين. ولئن كان سلوك الجماعات الجهادية منذ ما قبل تنظيم القاعدة وانتهاء بتفرعاته يستحق جهدا غير عادي للمكافحة، فإن أجندات أخرى تقدّمت ملف مكافحة الإرهاب هنا وهناك.

كثيرة هي الأسئلة عن قدرة الجماعات الجهادية على التحرك ماليا وعسكريا ولوجيستيا دون تغطية حقيقية من الأنظمة الحاكمة. ولا ريب أن الباحثين في شؤون الجماعات ومسارات صعودها قد أسهبوا في كشف حالات التواطؤ التي كانت رائجة (وما تزال) بين النظم السياسية وأجهزة مخابراتها من جهة والتشكيلات الجهادية المتوفرة في السوق من جهة ثانية، وذلك لأغراض تتعلق بإدارة الصراعات المحلية أو الجيوستراتيجية. بيد أن ذلك التواطؤ كان يتأسسُ على ثابتة الإمساك بديناميات تلك الجماعات، قبل أن ينهار الثابت أمام المتحوّل وتنهج الجماعات خيارات نقيضة ومعادية للنظم وأجهزتها.

يتذكر الباحثون أن الإسلام الجهادي انبثق أساسا من الإسلام السياسي التقليدي، وأن كثيرا من الأدبيات الجهادية خرجت من بين سطور أدبيات سلفية وإخوانية، كما أن كثيرا من التيارات الجهادية خرجت من معطف جماعة حسن البنا وسيد قطب وغيرهما. ويتذكر الباحثون أن ذلك الإسلام السياسي لطالما كان داعماً للسلطة يستخدمها حامية لسعيه، فيما تلك السلطة تتحرى الشرعية الدينية من خلال تقريبها له ضد معارضيها (حين اختلف النحاس باشا زعيم الوفد مع القصر سيّر حسن البنا مظاهرات تهتف “الله مع الملك”).

يتذكر الجزائريون أن سلطة الاستقلال استخدمت الإسلام السياسي لتوفير توازن مع الجناح العروبي واليساري في جبهة التحرير قبل أن تُكتب الغلبة لهذا التيار أيام بومدين، فتمّ تهميش الإسلاميين ودفعهم إلى العمل السري المسلح (ظاهرة مصطفى بويعلي الذي قتل عام 1987 مثال والصدام مع “الإنقاذ” مثال آخر).

ويتذكر المصريون أن الرئيس أنور السادات استدعى جماعة الإخوان وتيارات إسلامية أخرى من الهوامش التي أبعدتها إليها الناصرية نحو متن أتاح للإسلاميين العمل الميداني بحرية وتشجيع لكبح صعود المعارضة اليسارية. ويتذكر العرب كيف تولى النظام العربي غض الطرف عن الهجرة الجهادية (وحتى تشجيعها) نحو أفغانستان أيام الاحتلال السوفييتي. كان في ذلك تخلّص من طاقة جهادية مقلقة في الداخل، واتساق مع سياق إقليمي دولي للتصدي لموسكو ووقف اختراقاتها على تخوم العالم العربي.

حصاد 2013
كانت البدائل المتوفرة أمام المحرر في اختيار المقالات المتميزة على مدار العام الماضي أوسع من حصرها في مساحة صفحتين. أدى ذلك إلى صعوبة نابعة من كون كل نصوص كتابنا تتوفر على الجودة “لغة ومضمونا”، ولا غرور في القول هنا بأن “العرب” سقف انتظاراتها عال.

الصعوبة تنبع ثانيا من الحيز المحدود المتاح لإعادة نشر ما رأينا أنه الأفضل، بحيث لم يكن ممكنا نشر عدد كبير من المقالات.

ضروري هنا أن نشيد بمساهمات كل كتابنا الأوفياء؛ ولازم أيضا الاعتراف أننا قدمنا من خلال كتابتهم رؤية جادة ورصينة للراهن العربي، وواكبنا معهم كل الاعتمال المتغير في كل ساحة. وستكون هذه المساحة فرصة للاعتراف للجميع بفضل نصوصهم وتذكير قراءنا بأقوى لحظاتنا الفكرية، مع تأكيد أن النصوص التي لم نتمكن من نشرها، وإن غابت اليوم فذلك لا يُنقص شيئا من متانتها.

وننشر اليوم مقتطفات ومفاصل من بعض النصوص التي قدرنا أنها تميزت في سبر أغوار بعض القضايا، وسننشر أيضا أفضل لوحات الكاريكاتور للفنان السوري، ياسر أحمد، التي التقطت اللحظات الأقوى في هذا العام.

في هذا التمرين بالإمكان رصد لائحة تطول لحالات التواطؤ الجهادي- النظامي التي سجلت في العقود الأخيرة، وقادت، من حيث أرادت النُظم السياسية (الإقليمية والدولية) أو لم ترد، إلى خروج المارد من قمقمه وتحوّل ما كان ظاهرة مدجّنة إلى كارثة تعمل نسبيا خارج السياقات. وفي تلك النسبية شبهة من أن بعضا، أو كثيرا من تلك الجماعات ما زال يعمل ضمن أجندات رسمية خبيثة.

تكشفُ الجماعات في العراق، ومنذ نشاطها الأول (بزعامة مصعب الزرقاوي) غداة الغزو الغربي، أن لتلك الجماعات مراجع فقهية ومكانية (الأردن) تـلـمـح إلى قدرة أجهزة المخابرات على اختراق تلك الجماعات والفتك بها، عند الضرورة (مفيد مراقبة سيرة المخابرات الأردنية وإنجازاتها في هذا الصدد). ويسيل حبر كثير عن تلك العلاقة الملتبسة بين إيران وتنظيم القاعدة. وربما أن استضافة طهران لعدد من قيادات القاعدة وبعض أقرباء أسامة بن لادن (زوجات وأبناء) هي أعراض علاقة قامت على مصالح جمعت بين الطرفين. وما المثال الأفغاني من حيث قدرة طالبان على فرض أجندتها على عواصم العالم الكبرى، إلا خلاصة تواطؤ معروف مع المخابرات الباكستانية في إطار صراع باكستان مع الهند على النفوذ في تلك المنطقة. وقد أجاد النظام السوري التعامل مع تلك الجماعات وبرع في استخدام نشاطها. كالت بغداد الاتهامات لدمشق بتسهيل مرور الجهاديين إلى العراق، إلى حدّ التهديد باللجوء إلى مجلس الأمن لمعاقبة الجار الدمشقي. في نفس السياق كيلت الاتهامات للنظام السوري بأنه كان يقف وراء جماعة فتح الإسلام التي ظهرت في مخيم نهر البارد في شمال لبنان، والتي قيل أنها بضاعة أرسلها النظام السوري. على أن تقارير أخرى غربية اتهمت النظام في دمشق بتدريب الجهاديين وإرسالهم نحو ميادين يجري العبث فيها لمصلحة النظام، ناهيك عن إرسال عناصر جهادية نحو دول غربية والوشاية بها لبناء مصداقية لدى المجتمع الدولي لجهة لزومية النظام السوري في مكافحة الإرهاب.

في مصر جرى إطلاق سراح الجهاديين من السجون، كما جرى السماح بعودة المنفيين منهم تحت مسوّغ أنهم كانوا ضحايا لنظامٍ بائد. عملت أدوات الحكم تحت رئاسة محمد مرسي على توفير أجواء قانونية سياسية سمحت برواج الجماعات الجهادية كنتيجة حتمية لهيمنة الإخوان وحلفائهم على إدارة الحكم في مصر. استخدم مرسي نشاط الجهاديين في سيناء لاسيما عملياتهم ضد الجيش المصري للتخلص من قيادات المجلس العسكري، ثم تمّ استخدام تلك الجماعات للدفاع عن رئاسة محمد مرسي بعد خلعه. وانكشفت هذه العلاقة بوضوح في التصريح الشهير للقيادي الإخواني محمد البلتاجي الذي ربط فيه ما بين هجمات الجهاديين في سيناء وعودة محمد مرسي إلى منصبه رئيسا.

في خبث العلاقة مع الجماعات، يكثرُ الكلام عن سيناريوهات هوليوودية تربط النقيض بالنقيض وتتهم كافة الفرقاء بالتورط في ظرف ما، وفي وقت ما، بعلاقة مع الجهاديين هنا وهناك.. تُوجّه الاتهامات إلى اتهام الولايات المتحدة وإسرائيل باستخدام تلك الجماعات لمآربها.


صحافي وكاتب سياسي لبناني

9