الجماعة الإخوانية والدولة.. المواجهة بعد السقوط

الاثنين 2014/01/27
بعد قرار إسقاط الإخوان من الحكم، عاد هؤلاء إلى سياسة "الدولة المحروقة"

التطورات الأخيرة الحاصلة في مصر هذه الأيام من اغتيالات وهجمات على قوات الأمن والجيش، والتفجيرات التي تحدث هنا وهناك في محيط مراكز الأمن ومقرات السيادة، تخبرنا أنّ محك الواقع السياسي قد كشف فعلا عن طبيعة الإخوان المسلمين (وباقي حركات الإسلام السياسي) وكيفية تعاملهم مع التقلبات السياسية والتغيرات التي من حولهم: إمّا أنا أو الموت.

تفضح الكيفية التي نفذت بها بعض الهجمات ضد المؤسسات المصرية مرتكبيها، حتى وإن افترضنا أن الجهة المسؤولة لم تعلن عن تبنيها للجريمة، فإن التاريخ يخبرنا أن البصمة هي ذاتها في كل مكان مرّوا منه أو زمان استغرقوه.

مرحلة ما بعد السقوط تكشف دائما حقيقة “الساقط”. حيث بدأت الآن ردود الأفعال الأولى التي تعبر عن حقيقة الجماعة بعد ثورة 30 يونيو. تلك الحقيقة هي استهداف الدولة مباشرة، في إثبات جديد للتناقض بين الإسلام السياسي وإسلام الشعب. إنها مرحلة مواجهة الدولة والمجتمع معا بعد أن كانت الجماعة تواجه الدولة فقط من منطلق الاحتجاج والمعارضة.

غياب البدائل

يقتضي مفهوم الدولة أن يتم احتكار سن القوانين وتنفيذها وتشكيل قوة الردع والوازع بين الناس وإرساء نظم التعليم والتخطيط من قبل أجهزة تعمل على هيكلة المجتمع وتنظيمه وفق هذه الوظائف، بقطع النظر عن انتماء أفراد المجتمع إلى دين ما أو طائفة أو مذهب وهو ما يسميه مؤرّخو الفترة الحديثة بـ”ثقافة الدولة”، حتى تتمكن هذه الدولة- أو هذا الجهاز البنيوي الهائل- من تحقيق الحد الأدنى من شروط التواجد مع الآخر خارج دائرة “الحالة الطبيعية” المتوحشة.

لكن المقابل لهذا القول يكمن في الأطر المفتعلة بتهيئات الشيوخ وزعماء التنظيمات المتسترة بالدين ذات الأهداف السياسية الخالصة، مثل تنظيم “أنصار بيت المقدس الإسلامي الذي تبنى التفجيرات الإرهابية في القاهرة وضواحيها. وكأنّ بيت المقدس المحتل يحتاج إلى تفجير مقرات السيادة وقتل رجال الأمن في مصر كي يتحرر.

فقد تمكنت الحركات الدينية السياسية من خلال الاقتراب من تجربة الحكم واعتلاء مجال إدارة الدولة، من التوسع ولو نسبيا على مستوى القواعد الشعبية التي انتمت إليها لأسباب عديدة لا يسمح المجال لتعديدها، وهذا التوسع إنما مكن هذه الحركات من المطالبة وبقوة هذه المرة بتطبيق الدين في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية.. دون أن تطرح بديلا واضحا عن تلك المشاريع التي وصفتها بالغربية والعلمانية ووصمت أصحابها بالكفر والإلحاد.

إذ تدعو هذه الحركات بحكم طبيعة بنيتها ومنطلقاتها الفكرية والسياسية إلى ممارسة الشريعة الإسلامية في كل المجالات دون أن تشرح كيف ستكون هذه الممارسة ولا كيفية إنشاء دولة دينية على قوانين إسلامية. مما جعلها تسبح في الفراغ الذي يعيد نفسه كلما سنحت لها الفرصة بالظهور لتكرار الخطاب نفسه منذ تأسيسها، ما دفع هؤلاء ومن منطلق البناءات السياسية الخاوية إلى استعمال أساليب أخرى لتطرح نفسها في الساحة. إذ لم تكن تعمل سوى على استخدام العنف وبجميع أشكاله ضد الآخر أيا كان، المخالف في التوجه، والمختلف في المذهب، والمخالف في الممارسة الدينية أو السياسية، والمخالف في الفكر أو المخالف في الدين.. بل وحتى المخالف في الجنس أحيانا.

التمكين قبل الإسلام


لا يبدو انخراط جماعات الإسلام السياسي في المشهد السياسي العربي، حتى قبل أن يعيش ربيعه، سوى “تفاعل مع الممكن حتى يتم التمكن” من الدولة والمجتمع والمؤسسات عبر كافة السبل والتي من بينها العنف. فهي بهذا تتناقض ومفهوم الدولة والحداثة والتطور، ولا أدلّ على ذلك سوى ما أورده راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة في تونس من أن الحركة الإسلامية (التسمية البديلة عن الإسلام السياسي) هي “جملة المناشط التي تدعو إلى الإسلام باعتباره كلمة الله الأخيرة إلى الناس ومنهاجا شاملا للحياة وخطابا للعالمين”.

التوظيف السياسي للإسلام هو الذي خلق تباعدا بين الدولة والمجتمع عبر رؤى «تقليدوية» كالخلافة والشيخ والأمير والمرشد والشورى

والواقع أن مثل هذا التعريف يعود بنا إلى الحركات الدينية كما عرفتها العصور الوسطى، وهذا بعيد كل البعد عن مفهوم العمل الحزبي الحديث الذي يفصل بين منطق الحزب المبني على المنافسة الديمقراطية فيما يتعلق بالشأن العام، والمنطق الدعوي الديني الذي يخضع لمنطق الإيمان والقدسية والذي لا علاقة له بمفهوم الدولة في كل الحالات.

وما يلفت الانتباه أكثر لحركات الإسلام السياسي هو دعوتها “المهدوية” للخلاص والنجاة، حيث يصور الإسلام فيها كمخلص ومنقذ للمجتمعات دون النظر والتعّقل في مكوناتها (أي في تناقض مع ما يدعونه من تمثل واستحضار لإسلام المدينة)، إنه الإسلام كما يفهمونه ويتصورونه وحدهم، مستغلين طاقات الشباب المهمش والمكبوت. استغلالٌ لطاقة شبابية جامحة في مجتمعات قالوا عنها أنها بعيدة عن الإسلام، في حين أنها مجتمعات مشبعة دينيا لكنها مفرغة ثقافيا ومحبطة نفسيا وبائسة سياسيا ومنهارة اقتصاديا. فالقاعدة الواسعة التي تمتلكها هذه الجماعات (سياسية كانت أو سلفية أو تكفيرية جهادية…) تتركب أساسا من الشباب.

الالتباس الماكر

إن الاستنتاج الذي يمكن الخروج به هو أن الإسلام لا يتناقض مع الدولة ومفهومها الحديث الذي ينتصر للتنظيم والدقة والمؤسسة والقانون.

بل إن التوظيف السياسي للإسلام من قبل الجماعات التي ترى أن الدين والدولة شيء واحد هو الذي خلق تباعدا بين الدولة والمجتمع عبر رؤى “تقليدوية” كالخلافة والشيخ والأمير والمرشد والشورى… حيث يعمد الخطاب الإسلامي إلى خلق لبس متعمد بين التراث والدين والعقيدة في مقابل الديمقراطية والمدنية والمواطنة والدولة كجهاز. فالهدف الرئيسي لهذا الخطاب هو مواجهة الحداثة كمرحلة تطور إنسانية يمكن أن تتكيف مع البيئة الثقافية، وذلك عبر صياغة مقولبة للتراث تنفّر المتقبل من حاضره وتسجنه في ماضوية مظلمة وساكنة تأبى الحركة والتطور.

الإسلام لا يتناقض مع الدولة ومفهومها الحديث الذي ينتصر للتنظيم والدقة والمؤسسة والقانون

فإنكار دور الدولة في التحديث والبناء الاجتماعي والارتقاء بالفرد ومنح المواطنة لم يكن سوى سمة الجماعة التي تواجه هذا الدور عبر محلات إيديولوجية بنيوية تحافظ على المكمون الساكن والسلبي لدى الجماهير (خاصة الجماهير العربية) التي لم تر- لسوء حظها- من الدولة سوى القمع والتهميش والإقصاء إضافة إلى ما عليه تلك الجماهير أساسا من ترسبات ثقافة الإقطاع واقتصاد متخلف وسياسة أحادية.

نخلص إلى القول أنه لا أخطر على الإنسان الحديث من الجماعة التي تحل محل المؤسسة والمرشد الذي يحل محل الله.

13