الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة سجل من الإرهاب بحثا عن السلطة

الأربعاء 2014/12/31
ساعد إسقاط الناتو لنظام القذافي على انتشار الميليشيات الإسلامية المسلحة

طرابلس - القرب الجغرافي بين ليبيا ومصر مثل أحد عوامل نمو الحركة الإسلامية في ليبيا، خاصة وأن تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا أواخر الأربعينات من القرن الماضي كان على يد المصري عز الدين إبراهيم مصطفى. وقد تطور نشاط الجماعة بعد الاستقلال محققا انتشارا في صفوف الطبقات الوسطى بغطاء من الملك إدريس.

لكن الحدث الأهم في تاريخ الحركة الإسلامية الليبية، هو أن وجود الإخوان ونشاطهم وتحديهم لنظام معمر القذافي أنتج ظهور الحركات المتطرفة مثل الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة.

لم تعلن الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة عن تكوينها إلا في وقت متأخر جدا بعد نشاطها في ليبيا وأفغانستان في ثمانينات القرن الماضي، فبعد أن عادت بعض قياداتها من المعارك ضمن ما سمي “الأفغان العرب”، أعلنت مجموعة من المتطرفين الليبيين تأسيس الجماعة الإسلامية المقاتلة سنة 1995.

وقد استغل أعضاء الجماعة الإرهابية جبهات القتال التي فتحت ضد السوفييت في أفغانستان لتطوير مهاراتهم القتالية وتلقن استراتيجيات عسكرية ذات نطاق واسع بهدف إسقاط نظام القذافي الذي تعتبره الجماعة “كافرا”. لكن قوة النظام شلت محاولات الجماعة المقاتلة وهو ما اضطرها إلى الهروب إلى السودان وتأسيس قواعد هناك بالربط مع تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن.

وقد اعتمدت “الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة” خطة طويلة المدى للإعداد لحملتها العسكرية، كما اقتنص الكثير من أعضائها فرصة الحرب ضد السوفييت في أفغانستان في الثمانينات بهدف تعزيز مهاراتهم القتالية. وهناك أقاموا معسكرهم الخاص وخضعوا لتدريبات عسكرية، بتوجيهات من أعضاء تنظيم القاعدة من حين إلى آخر، كما جاء في شهادة عدد من المقاتلين آنذاك وردت في بحث لمركز واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.

ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن أعضاء “الجماعة المقاتلة” كانوا الأكثر أهمية بالنسبة إلى تنظيم القاعدة من بين جميع “الأفغان العرب”.
بعض قيادات الجماعة عادت من المعارك في أفغانستان لتعلن تأسيس الجماعة الإسلامية المقاتلة سنة 1995

وفي الوقت الذي ينشط فيه أعضاء الجماعة المقاتلة في أفغانستان وباكستان، بدأت الحركة تأخذ شكل جماعة محددة المعالم. فإلى جانب التدريب العسكري، تم أيضا تلقين العناصر الإرهابية الليبية في أفغانستان على أيدي رجال الدين الجهاديين من ذوي التأثير أمثال عبدالله عزام. وبدأ هؤلاء في تطوير مهاراتهم القتالية تحسبا لليوم الذي سيعودون فيه إلى ليبيا لمقاتلة نظام القذافي.

وبعد انتهاء الحرب الجهادية الأفغانية ضد السوفييت، عادت العناصر المدربة والمتطرفة إلى ليبيا لتكوين خلايا، أو انتقلوا إلى السودان لإنشاء قاعدة للعمليات من أجل وضع خطط الإطاحة بنظام القذافي، أو اتخذوا من لندن كمنفى لتقديم دعم لوجستي ومالي. ووفقاً لنعمان بن عثمان، قيادي كبير وعضو في مجلس شورى الجماعة المقاتلة، فإن الفترة الفاصلة لأعضاء “الجماعة المقاتلة” في السودان لم تكن موجودة في خطط أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة.

وبدلا من ذلك، اختاروا السودان كقاعدة محتملة بعد الحرب الأفغانية في 1988-1989. ولم يقرروا أنه من الملائم التحرك بشكل أقرب نحو الجبهة الليبية سوى عام 1993، ومن هناك أرسلوا بعض الوفود إلى الجزائر لمواصلة التدريب، فضلا عن توفير مساحة لدخول ليبيا سرا.

وفي ليبيا كانت “الجماعة المقاتلة” تؤسس هيكلها التنظيمي تحت قيادة عبدالله بلحاج وتقوم بتطوير المهارات القيادية للمسؤولين عن الخلايا والوحدات في جميع أنحاء البلاد. وكانت الجماعة تعتزم بناء قدراتها بشكل شديد الدقة، غير أنها سرعت من مخططها نتيجة ضغط النظام وقوة أجهزته الأمنية، لتنتهي تلك الظروف إلى إجبار الجماعة على إعلان نفسها رسميا سنة 1995. وما إن كشفت “الجماعة المقاتلة” عن نفسها، حتى بدأت في محاولة تنفيذ مخططاتها بإسقاط النظام بمنتهى القوة.

وقد نفذت الحركة طوال فترة التسعينات عمليات عسكرية ضد النظام الليبي، منها محاولات عديدة لاغتيال القذافي نفسه غير أنها باءت جميعها بالفشل. وقد دخل النظام الليبي في حرب شعواء مع “الجماعة المقاتلة”، تكبدت فيها الحركة العديد من الخسائر، من بينها مقتل أحد مؤسسيها صلاح فتحي بن سليمان (المعروف باسم أبي عبدالرحمن الخطاب)، الذي لقي حتفه في إحدى المعارك مع القوات الليبية بالقرب من درنة في سبتمبر 1997.

وقد توقف تمرد “الجماعة المقاتلة” وحملتها الإرهابية داخل ليبيا بحلول عام 1998، غير أنه لم يعلن عن وقف إطلاق النار الرسمي حتى عام 2000. وتم سجن العديد من أعضاء الحركة في ليبيا، في حين قرر بعض الهاربين العودة إلى أفغانستان، بمن فيهم أمير الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة في ذلك الحين، أبو عبدالله الصادق، والمسؤول الديني الرئيسي، الشيخ أبو المنذر الساعدي، وأبو أنس الليبي، الذي تورط مؤخرا في تفجيرات السفارة الأميركية وقتل السفير الليبي في بنغازي والذي لا تزال السلطات الأميركية تحقق معه إلى الآن.

الهدف الرئيسي للميليشيات الإسلامية المتطرفة هو الوصول إلى السلطة وهذا ما برر تحالف الجماعة مع الناتو في ليبيا

غير أن حفنة من أعضاء الحركة بقوا في المنفى في لندن، ولعبوا في النهاية دورا هاما عندما بدأت الجماعة المقاتلة عملية المصالحة مع النظام الليبي عام 2005.

وبالرغم من الشحنة التكفيرية المتطرفة التي لدى هذه الجماعة، (ما جعلها من أهم مرتكزات الفروع العالمية لتنظيم القاعدة) فإنه سرعان ما انخرط أعضاء الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة في لعبة التحالف الدولي التي استهدفت إسقاط نظام معمر القذافي.

فقد قادت العناصر العسكرية المدربة للجماعة الليبية المقاتلة عديد العمليات ضد الجيش الليبي في ما سمي “بثورة فبراير” وذلك تحت غطاء جوي من حلف الناتو الذي منع طائرات القذافي من القصف، والذي شارك بدوره في استهداف نقاط عسكرية نظامية عديدة في تلك الفترة.

وبذلك، يؤكد عديد الخبراء في مجال الجماعات الإسلامية خاصة المسلحة منها، أن الهدف الرئيسي لتلك الميليشيات هو السلطة السياسية والوصول إليها بقوة السلاح لفرض الهيمنة على نطاق واسع ومدة طويلة، مستغلة شعارات دينية لسهولة استنباطها تبني مقولاتها لأنها مبهمة وغير واضحة ولا تحوي نظاما محددا يترك الباب مفتوحا أمام أهواء القيادات الكبيرة لتلك الميليشيات.

وفي هذا الإطار يمكن فهم ذلك التحاف الخفي بين الإخوان والجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة ومجموعات مقاتلة إسلامية أخرى مع الناتو لإسقاط النظام، رغم أن شعار القاعدة دائما هو: “محاربة المصالح الأميركية”.
13