الجماعة الإسلامية بعد وفاة زعيمها: نحو الإخوان أم صوب القاعدة

أيام قليلة مضت على وفاة عمر عبدالرحمن، زعيم الجماعة الإسلامية، كانت كافية لبروز السجال حول المدوّنة الفكرية للشيخ المتشدد، كما وجهة جماعته. وفاة عبدالرحمن خلقت حالة من انعدام التوازن السياسي والفكري لدى الجماعة الإسلامية، وضربا من عدم القدرة على تحديد البوصلة، فهل تتجه صوب المنهج التكفيري الجهادي لتنظيم القاعدة، أم تتبنى موقفا يقوم على نبذ العنف ضد الدولة؟
الأربعاء 2017/02/22
أي مسار ستنتهجه الجماعة الإسلامية بعد وفاة زعيمها

وفاة الزعيم الروحي للجماعة الإسلامية المصرية، عمر عبدالرحمن، قبل أيام، داخل سجنه بالولايات المتحدة، جددت الهواجس حول مستقبل ومسار الجماعة ذات الماضي العنيف، ورأى مراقبون أن ما تبقى من مبادرتها لنبذ العنف ظل مدوّنا فقط في الكتب.

ورصد خبراء في شؤون الحركات الإسلامية، حالة من انعدام التوازن، وعدم القدرة على تحديد الوجهة وتقرير المصير لدى الجماعة، في إشارة إلى التنازع داخلها بين تبني وجهة جماعة الإخوان التي تحالفت معها طوال الفترة الماضية، وتنظيم القاعدة الذي يحاول جرها من جديد إلى الخط الجهادي.

جماعة الإخوان وتنظيم القاعدة، كلاهما يحاول الاستفادة من جهود الجماعة الإسلامية، خاصة بعد موت قادتها في ظروف تغري بتسخين الأجواء الجهادية والصدام مع الدولة.

وينقسم قادة الجماعة الإسلامية إلى تيارين، أولهما يتبنى الاستمرار في هذا النهج "الجهادي" بالخارج، والثاني، وهؤلاء موقفهم ضعيف، يحبذ الالتزام بمبادرة وقف العنف مع الدولة المصرية، ويطالب بضرورة الحفاظ على الحضور في المشهد السياسي خاصة وأن الحالة الإسلامية تعاني من العزلة وشبه التجميد لنشاطها في المشهد المصري.

ويحدد خبراء الأطراف التي تسعى لاستغلال أوضاع الجماعة الإسلامية المتعطلة، فيرون أن تنظيم القاعدة يعول على علاقات وطيدة تربطه بقادة للجماعة بالخارج، وعلى رأسهم محمد شوقي الإسلامبولي، الشقيق الأكبر لخالد الإسلامبولي، قاتل الرئيس المصري الراحل أنور السادات، بينما تراهن جماعة الإخوان من جانبها على امتيازات ستمنحها لقادة الجماعة في تركيا وقطر.

ويلقي خبراء في الشأن السياسي باللائمة على قادة التيار الإسلامي، عندما عصفوا بمكتسبات الحالة الحزبية الإسلامية الوليدة في مصر، وتعاملوا معها بمنطق الجماعات والقيادة الأبوية التقليدية، ما تسبب في توريط الجماعة الإسلامية في صراعات دينية بنكهة طائفية.

الجماعة الإسلامية لا تزال تعتقد أن فرصة إعادة الإخوان للحكم قائمة، من خلال إطالة الصراع مع الدولة، وترويج خطاب "المظلومية"

ويرى هؤلاء، أن وجود تلك الأحزاب، كان فرصة ثمينة لإدماج “الإسلاميين” مجتمعيا، ولتطوير أدائهم وخطابهم في المشهد السياسي، إلا أن استمرار التحالف مع جماعة الإخوان كان عائقا أمام تحقيق تلك الأهداف.

وأسهمت قيادات الجماعة الإسلامية الهاربة بالخارج، في إبقاء الجماعة قيد التحالف مع الإخوان من جهة، وفي إحياء العلاقة مع تنظيم القاعدة بقيادة المصري أيمن الظواهري من جهة أخرى، وظلت بياناتها تدور حول ضرورة مواصلة الصدام مع الدولة المصرية، ودعم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في صراعاته الإقليمية.

وحمّل أعضاء منشقون عن الجماعة الإسلامية قادتها، المسؤولية عن الحال التي وصلت إليها الجماعة، في إشارة إلى الخطاب التحريضي الذي فتح مسارات الصدام والعنف على مصراعيها، وكرّس العزلة السياسية، من خلال تبني الخيارات الانفصالية، والتماهي مع قناعات ومناهج فصائل أخرى. قادة الجماعتين، الإخوان والإسلامية، شعروا بأن الجماعتين قريبتان من الإنجاز بتوحدهما لأول مرة ضد الدولة، غير أن الأحداث كشفت محدودية هذه التصورات السياسية لدى قادة الجماعة الإسلامية، إذ حالت (أي الأحداث) بينهم وبين الانفتاح على بدائل وخيارات أخرى، أقل حدة وأكثر استقلالية، فضلا عن الوقوع في فخ تحالفات "غير وطنية" وغير منسجمة مع مصالح الدولة.

الدليل على ذلك، أن السلطات المصرية، ألقت القبض مؤخرا على البعض من أعضاء الجماعة الإسلامية، في مركز دير مواس، بمحافظة المنيا، (بصعيد مصر)، كان أحدهم عائدا من القتال في سوريا، وتواصل الآخرون معه للانضمام إلى المجموعات المسلحة التي تقاتل الجيش المصري في سيناء، بينما كان أحد قادة الجماعة قد لقي مصرعه بسوريا، كما لقي رئيس مجلس شورى الجماعة عصام دربالة حتفه داخل أحد السجون المصرية.

ويبرر متابعون للشأن المصري هواجسهم وشكوكهم حيال الجماعة الإسلامية، لكونها اختارت الاستمرار في دعم جماعة الإخوان، حتى بعد تصنيف الإخوان جماعة إرهابية، وبعد تواتر شواهد على انتهاجها للعنف وعودتها للعمل السري.

أن توقف الإخوان عن العنف في الستينات من القرن الماضي، والجماعة الإسلامية في التسعينات، لم يكن سوى تخطيط تكتيكي لالتقاط الأنفاس

وخيّبت الجماعة الإسلامية أمل البعض ممن توقعوا إسهامها في دمج التيار الإسلامي في العملية السياسية، وسحب البساط من تحت أقدام دعاة العنف والصدام، عقب عزل الإخوان عن السلطة، استنادا للعهود التي قدمتها الجماعة للدولة ووثقتها بكتب المبادرة، وكذلك للخلاف القديم المشهور بين الجماعة الإسلامية وجماعة الإخوان.

ويلـمح خبراء إلى أن الجماعة الإسلامية، لا تزال تعتقد أن فرصة إعادة الإخوان للحكم قائمة، من خلال إطالة الصراع مع الدولة، وترويج خطاب "المظلومية"، وتصوير الصراع على أنه صراع ديني، وهي تعول في ذلك على حدوث متغيرات إقليمية داعمة لموقف الإسلاميين بمصر.

وكانت الجماعة قد اعتزلت المشهد السياسي وقاطعت استحقاقاته الانتخابية، ووصفت ما جرى في 30 يوليو 2013 بالانقلاب العسكري، واعتبر مراقبون ذلك بمثابة غطاء سياسي وشرعي لجماعات العنف المسلح.

ولم تستبعد مصادر أمنية عودة الجماعة الإسلامية للعنف بشكل فردي وغير معلن، ولفتوا إلى أنها لا تتبنى الصدام بشكل شامل إلا إذا شعرت بالقوة التي تمكنها من التماسك أمام المؤسسة الأمنية، وإذا طرأ الضعف على مؤسسات الدولة، وأكدوا أن توقف الإخوان عن العنف في الستينات من القرن الماضي، والجماعة الإسلامية في التسعينات، لم يكن سوى تخطيط تكتيكي لالتقاط الأنفاس.

ولم يشرع البعض من قادة الجماعة الإسلامية بالداخل في إظهار المرونة داعين إلى التهدئة والتوافق إلا بعد التيقّن من هزيمة الإخوان وحلفائها أمام الدولة، ثم اضطر قادة الجماعة إلى الانسحاب التكتيكي على وقع مطالبات داخلها ترفض الدخول في صدام مع الدولة، أو دفع فاتورة أخطاء الإخوان.

وفي داخل الأوساط السياسية المصرية، انتشرت دعوات لإعادة النظر في وجود الأحزاب الدينية بمصر، ومنها حزب البناء والتنمية مثل الجماعة الإسلامية، والمطالبة بحلها، حيث تعتبرها تلك الأوساط امتدادا لأفكار ومناهج التطرف والتكفير والعنف، التي أثبتت الأحداث أنها لا تزال قائمة في بنية وعقول المنتسبين لتلك التنظيمات.

وفي الداخل المصري تظل الجماعة الإسلامية رهينة العزلة عن المشهد، ورفض المشاركة السياسية، وهو ما يعزز عدم استقلاليتها باستمرار الفصائل الأخرى في توجيهها والتأثير في قراراتها.

13