الجماعة الثقافية المصرية بعد ثورتين

السبت 2013/10/19

لولا أسماء تعد على الأصابع مهدت بأقلامها الأرض لانطلاق ثورة 25 يناير وشاركت فيها بأجسادها منذ أيامها الأولى، وصمدت رغم الأخطار المحيطة على ثوابتها وقيمها كاشفة عن تكوين ثقافي وفكري عميقين، لأمكن القول بأريحية أن ثورة 25 يناير كشفت الستر عن حجم تردي وانهيار وانفصال وجهل وانكسار وانهزامية الجماعة الثقافية المصرية، فما أن انطلقت الثورة وأزاحت النظام حتى انقسمت إلى فرق وقبائل ينضوي بعضها صراحة تحت رايات جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي، وبعضها الآخر تحت راية هذه الشخصية السياسية أو تلك، وبعضها الآخر تحت راية البيزنيس والمصالح والمطامع الشخصية، وبعضها تحت راية البطولة الزائفة والكذب الفصيح والجهل تزيحه من هنا إلى هناك، وجميعها ـ الفرق ـ لم يكن من بين حساباتها أو على قائمة أولوياتها "مصلحة الوطن".

هذه الأسماء صانعة الاستثناء والتي شاركت في الثورتين وما تخللهما من موجات غضب، جعلت أمر وضع الجماعة الثقافية في سلة واحدة صعبا، لذا فإن المقصود هنا هي الأغلبية وليس الجماعة في المطلق، الأغلبية الآن للأسف وبعد ما يقرب من ثلاث سنوات من ثورة يناير ووقوع الكثير من الأحداث على كافة الأصعدة، لا تزال على ما هي عليه فرقا ضآلة عن مصلحة الوطن وأهله وزادتها الأوضاع المتوترة سوءا وفرقة وصراعا حتى صارت يأكل بعضها بعضا سبا وقذفا وتشكيا وسوء ظن.

لم تستطع الجماعة الثقافية أن تخرج على انقسامها وفرقتها وتعلي قيم الوطن الحضارية والإنسانية وتتوحد لتشكل أفكارا ورؤى واضحة، وتدعو الناس للالتفاف حولها انقاذا لمستقبل الوطن وحماية له من استمرار ظلمات أفكار اليمين المتطرف والارهابي والفساد المستشري والجوع والفقر الذي ينحران أبناءه نحرا، بل ذهبت ومدت يدها للتعاون والعمل مع تنظيم الجماعة الإخوانية وحلفائها من سلفيين وجماعة اسلامية لتشارك في طمس ما تبقى من العقل والوجدان الجمعيين، حتى أنها وصمت إرادته التي خرجت يوم 30 يونيو لإزاحة الظلاميين والتكفيريين والإرهابيين والمطالبة بتحقيق مطالب ثورة يناير ـ العيش والحرية والعدالة الاجتماعية ـ بالجهل وهددته وتوعدته بأوهام عن عودة النظام القديم والفاشية العسكرية والدولة البولسية والأمنية. إن إرادة الشعب المصري سبقت الجماعة الثقافية في ثورة يناير وموجاتها وحتى ثورة 30 يونيو وما ترتب عليها، وللأسف لم تتعلم أي درس من دروس تتواصل على مدار ما يقرب من ثلاث سنوات في الميادين والشوارع، بل كانوا يقهقهون سخرية وتهكما من الذين يخرجون في مظاهرات سواء أثناء إدارة المجلس العسكري أو بعد تولى الإخوان الحكم، يفعلون ذلك بينما يتنقلون بين الموائد تملقا بحثا "سبوبة" ، أو منصب أو نفوذ.

إن مشهد الجماعة الثقافية الآن محزن للغاية، فإذا كانت ثورة يناير كشفت الغطاء عنها فلم تنتبه أو تحذر، فإن 30 يونيو جردتها من ملابسها لتتكشف عورات الجهل، الجهل بالشعب وتركيبته ومطالبه ومصالحه وأيضا الجهل بتاريخه وحضارته وثقافته، لأنها جماعة لم تعد تقرأ لا لنفسها ولا غيرها.

16