الجماعة لا تؤمن بالوطن ولوبيات الإخوان منتشرة في كل مكان

الجمعة 2014/02/21
بعد ثبوت فشل الإخوان في إدارة الدولة انكشف دور تنظيمهم الدولي في تهديد أمن مصر

تثير تنظيمات الإخوان المسلمين بشكل دائم العديد من الإشكالات النظرية والعملية بالنسبة للدارسين المهتمين بجماعات “الدين السياسي” وخاصة “الإسلام السياسي”. إذ لئن كانت الجماعات المسيحية أو اليهودية التي تعمل في الحقل السياسي تختزن في باطنها رغبة في الانتشار عالميا (وهو ما تؤكده حملات التبشير المسيحية ونصوص المؤتمرات الأولى للجماعات الصهيونية…)، فإنّ الجماعة الإسلامية (الإخوان) أضحت يوما بعد يوم في مقدمة الجماعات الدينية التي انتشرت فعلا على المستوى الدولي.

تطرح هذه الأممية بجدية تساؤلات عميقة عن مدى وطنية هذه الجماعة وانتمائها القومي، ومدى إنكارها للحدود الوطنية؟ وكيف أضحى هذا التنظيم بعد سقوط الإخوان في يونيو الفارط؟ وما مصير هذا التنظيم مستقبلا؟ وهي أسئلة يطرحها الباحث المصري محمد سعيد العربي في دراسته عن “الإخوان والوطنية والأممية: مسألة التنظيم الدولي للجماعة”.

الأطروحة الأممية «الإخوانية»

ينقسم تنظيم الإخوان المسلمين وفقا للدراسات السوسيولوجية وشهادات قيادات انشقت عن الحركة إلى قسمين رئيسيين: الحركة والشبكة.

فبالنسبة للحركة، فتتمثل تركيبتها في مجموعة من الأعضاء العقائديين القادرين على تشكيل نواة أولى تنسيقية بينها، تعمل على استقطاب عناصر جديدة للجماعة والولوج إلى العمق الشعبي تحت سواتر وأغطية مختلفة (كالجمعيات والنوادي والأعمال الخيرية). وعندما تتسع قاعدة هذه النواة يصبح تنظيمها لا مركزيا متفرعا وممتدا بشكل أفقي لتتكون أخيرا “الشبكة”. والشبكة بهذا المعنى هي جملة من الخلايا التي تكاثر عددها واتسعت حلقاتها، تجمع بينها علاقات تنسيقية وعقائدية وحلقات تنظيمية معقدة وسرية، لها علاقة ـ بدورهاـ مع شبكات أخرى وهكذا…

الحدث الثوري وما تبعه من تدخل للجيش، مثل الضربة القاصمة الكبرى للإخوان منذ العهد الناصري

طبعا لم تتوقف هذه الأشكال التنظيمية عند الحدود المصرية فقط، بل تجاوزت حدودها إلى تنظيمات أقطار أخرى عربية و”إسلامية”، استلهمت منها كل أشكالها التنظيمية ومقولاتها الإيديولوجية منذ اللحظة الأولى لبروز الفكرة مع حسن البنا ثم سيد قطب. مما يضع فعلا “وطنية” هذه التنظيمات، خاصة تلك التي تقع خارج المحيط العربي، في موضع تساؤل وتشكيك. إذ أنّه لا ولاء لهم لقضايا الوطن والمجتمع الذي ينشطون صلبه، بقدر توجيهم الولاء والطاعة صوب المشروع الذي ينتمون إليه، وهو “الخلافة وأستاذية العالم”.

نشأة التنظيم الدولي وتطوره

وبناء على ما سبق، فإن الأفكار العابرة للحدود الوطنية والقومية والمعادية لها، قد وجدت مناخات سياسية مناسبة لتنمو وتصبح حقيقة مادية إقليمية ودولية. إذ تجمع المصادر على أن الضربات القاصمة التي وجهها نظام جمال عبد الناصر إلى الإخوان قد أضعفتهم داخليا لكنها زادت من قوتهم خارج مصر، أي داخل الأقطار العربية الأخرى التي تقلّ فيها حدة المواجهة، وفي أميركا الشمالية وأوروبا.

فقد نشط الإخوان أولا في الأقطار العربية بشكل متواتر في الخمسينات والستينات، حيث قادوا الاحتجاجات ضد حكم الإمام في اليمن سنة 1948، وقاموا بحركات تمرد ضد حزب البعث في سوريا في منتصف الستينات، وضد الماركسيين في العراق.. وغيرها.

لكن تبقى أوروبا الملاذ الآمن والأكثر احتواءً لنشاط الإخوان، حتى الخطير منه. فمنذ تأسيس “مسجد ميونيخ” سنة 1958 من قبل الجماعة الإسلامية، ثم المركز الإسلامي بجنيف من قبل سعيد رمضان السكرتير الشخصي لحسن البنا سنة 1961، لم تتوقف المخابرات الأميركية عن محاولات دمج الإسلاميين في المعركة ضد الاتحاد السوفييتي، والتي انساق فيها الإخوان بدعوى “محاربة الشيوعية الكافرة”. مما سهل تأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي الهادف إلى نشر أفكار الإخوان في المجتمعات الغربية ومقره الولايات المتحدة الأميركية.

ولعل الفصل السادس من اللائحة العالمية للجماعة يؤكد العلاقة التنظيمية بين ماهو قُطري وماهو عالمي، حيث يشير إلى العودة إلى المرشد العام في حال تأسيس أي فرع للإخوان في أي دولة في العالم.

التنظيم الدولي بعد ثورة 30 يونيو

ينطلق محمد سعيد العربي في المحور الذي عنونه “التنظيم بعد يونيو” في قراءة حالة التنظيم بعد الانتفاضة، قائلا بأن الحدث الثوري وما تبعه من تدخل للجيش بعزل محمد مرسي، قد مثل الضربة القاصمة الكبرى للإخوان منذ العهد الناصري. وبذلك خسرت شبكة الإخوان الدولية وما تفرع عنها من شبكات أخرى نقطة ارتكاز عالمية خطيرة، هي مصر التي حلم الإخوان بحكمها طيلة ثمانين عاما، أي منذ تأسيس التنظيم.

انهيار حكم الإخوان بمصر، أشاع شعورا لدى الإسلاميين كشعور اليساريين عند سقوط الإتحاد السوفييتي. لقد صدم الإخوان

ويواصل الباحث حديثه عن انعكاسات سقوط تجربة الإخوان سريعا في مصر على المحيط الإقليمي والدولي، عبر تحسس المواقف التي اتخذتها جملة من الدول من هذا السقوط. فقد كشفت هذه المواقف نقاط تمركز الإخوان (دوليا) ونقاط انسحابهم، ما كشف معها مخاوف بعض الدول من هذا التنظيم وتشعبه وامتداداته. فالمملكة السعودية والإمارات مثلا، تصدتا للإخوان نظرا للتهديد الذي تشكله الجماعة لمصالح هذه الدول عبر رجالات الاقتصاد والعلاقات المعقدة والغامضة التي يمتلكها التنظيم داخل تلك الدول. عكس قطر، المشيخة الراعية للتنظيم والداعمة له، فقد أصبحت “الجزيرة” صاحبة الصوت الأعلى في تصدير رواية الانقلاب في مواجهة الثورة الشعبية، ما كشف فعلا عن الجهة التي تقف وراء “الجزيرة” وماهية دور هذه القناة التلفزيونية بشكل أكثر وضوحا. ناهيك عن كشف سياق تحرك الولايات المتحدة في المحيط المصري. إذ عبّر موقفها المرتبك عن غياب لأميركا في ترتيبات ما بعد 30 يونيو، في مقابل حضورها كطرف في 11 فبراير 2011 الذي رتّب خروج حسني مبارك.

وبذلك فإن سقوط الإخوان عبر ثورة شعبية عارمة في يونيو 2013، قد كشف حقيقة أن تنظيم الجماعة العالمي قد تغلغل في عدة محاور إقليمية ودولية، تحوّلت عبر اتفاقات مخابراتية إلى نقاط لصنع القرار وقيادة العمليات.

مستقبل التنظيم

يقول البعض أن انهيار حكم الإخوان في مصر، على وقع ثورة شعبية عارمة، قد أشاع شعورا لدى الإسلاميين يقترب من شعور اليساريين في العالم لحظة سقوط الإتحاد السوفييتي. لقد صدم الإخوان.

وفي هذا الإطار يقدم الباحث محمد سعيد العربي قراءته للسيناريوهات المتوقعة بعد هذا السقوط وانعكاسه على التنظيم. فالسيناريو الأول يتمثل أساسا في الحد من المرونة و”الشبكية” في التنظيم، والقطع مع الشكل اللامركزي لإدارة الجماعة، والعودة سريعا إلى الشكل الهرمي “الهيراركي” بهدف ضبط الصفوف والخضوع أقصى ما يمكن إلى سلطة المرشد العام المركزية. وذلك لإعادة بناء التخطيط والتكتيك للعودة إلى تنفيذ الخطط الإستراتيجية للجماعة. أما السيناريو الثاني فيتمثل في حدوث مراجعة فكرية شاملة لدى الإخوان تحسم خلالها الحركة المعركة بين المقولة الأممية و”أستاذية العالم” لصالح الانتماء الوطني أو القُطري. ومثل هذه الخطوة قد تعيد بعض العقلانية إلى الجماعة وتوقف الصراع البنيوي الذي يقوم عليه فكرها (بين الإخوان والدولة) فتندمج بذلك في النسيج الوطني كحركة سلمية مدنية.

13