الجماليات المفقودة ما بين الرواية والفيلم

الروايات تعزز المنجز السينمائي وتمنحه عناصر جمالية إضافية لجهة إتقان السرد وتنوع الأحداث وغزارة التحولات المرتبطة بالشخصيات.
الأحد 2021/09/19
التكامل بين الكتابة والإخراج يحقق نجاح الفيلم

لعقود خلت كانت الرواية مصدرا أساسيا لكتّاب السيناريو، مستعينين بأكثر الروايات قربا من خواص السينما ومتطلباتها السمعية البصرية الحركية، ولهذا غابت طويلا عن الشاشات تلك الروايات المغرقة في الذاتية والتعبير الباطني البعيد عن الشكل السينمائي ومتطلبات السرد على الشاشات.

من هنا يمكننا أن ندرك نوع تلك الروايات التي عززت المنجز السينمائي ومنحته عناصر جمالية إضافية لجهة إتقان السرد وتنوع الأحداث وغزارة التحولات المرتبطة بالشخصيات، وهو ما كان وما يزال الشغل الشاغل للسينما وللمخرجين في بحثهم عن النصوص الجديرة بتلك المغامرة البصرية.

التشارك الفعال بين المخرج والكاتب يكسر حاجز الجمود بين السرد الأدبي المجرد وبين متطلبات الشكل السينمائي

في سلسلة أفلام “العراب” عن رواية ماريو بوزو والتي تمت ترجمتها إلى العديد من لغات العالم، كانت لدى النقاد أسئلة تتعلق بالشكل والسرد الدرامي واختيار وبناء الشخصيات، وكانت تلك الأرضية التي أسستها الرواية قد أتاحت للمخرج الكبير فرانسيس فورد كوبولا أن يعزز تلك الحصيلة بحضور طاغ لثلة من ألمع الممثلين الذين جسدوا الأدوار الرئيسية من مارلون براندو إلى آل باتشينو إلى روبرت دوفال وديان كيتون وغيرهم.

ولنلاحظ في إطار هذه التجربة المهمة والمتميزة أن بوزو بوصفه كاتبا للرواية قد كتب السيناريو الخاص بروايته هو بنفسه بعيدا عن تأثيرات كوبولا، الذي هو الآخر كتب السيناريو لذات الرواية لوحده، وبذلك تم وضع قراءتين سينمائيتين اضطلع بهما مخرج سينمائي وروائي، ومن ثم كانت جلسات العمل بين الروائي والمخرج لتتوج بالشكل الذي ظهر فيه فيلم “العراب” ملهبا حماس الملايين ممن شاهدوه، ليؤسس شكلا سينمائيا مرتبطا بالمافيا وأفلام العنف والجريمة والنسق الاجتماعي للعائلات الإيطالية المهاجرة في الولايات المتحدة.

كانت الرواية قد توجت في آخر الستينات بوصفها الأكثر مبيعا مما دفع كوبولا إلى أن يتعاون مع الكاتب ماريو بوزو فيخوضان معا عملية كتابة السيناريو.

يعود بنا هذا الأمر إلى علاقة مماثلة ربطت ما بين الروائي نجيب محفوظ والمخرج الراحل صلاح أبوسيف، عندما نشر نجيب محفوظ روايته “القاهرة الجديدة” ونشرت في الأربعينات ونقلها أبوسيف إلى الشاشة تحت اسم “القاهرة 30″، ويومها كانت المفارقة بعدم رضا محفوظ عما شاهده وأن الفيلم لا يتطابق مع الرواية.

هذه الإشكالية تختصر العلاقة بين الروائي والسينمائي وهو الأمر الذي يتكرر مرارا في ما نشاهده والفاصلة الملحوظة عما نقرأه وهو ما دفع الثنائي محفوظ وأبوسيف إلى التعاون بشكل مباشر في كتابة سيناريو العديد من الأفلام التالية، ومن ثم كانت أفلام مثل “بداية ونهاية” وسلسلة “الحرافيش” و”اللص والكلاب” و”ميرامار” و”السمان والخريف” وغيرها، وكلها شكلت روائع في تاريخ كلاسيكيات السينما المصرية وقدمت ثلة من السينمائيين المتميزين إخراجا وتصويرا ومونتاجا وإدارة فنية وسيناريو وتمثيلا.

ومعلوم أن محفوظ هو الروائي الأكثر غزارة في مجال كتابة الرواية وأيضا في كم الأفلام التي أخذت عن رواياته وعن قصصه القصيرة، أو حتى تلك الأفلام التي شارك هو في كتابتها ولم تكن تعود له وليست من مؤلفاته، وهي تجربة خصبة لطالما تحدث عنها محفوظ وكيف اكتسب مهارات كاتب السيناريو وأثر ذلك في ما بعد على شكل وأسلوب سرد العديد من رواياته التي سرعان ما نالت نصيبها من العرض على الشاشات.

حضور مثير لألمع الممثلين في سلسلة أفلام “العراب”
حضور مثير لألمع الممثلين في سلسلة أفلام “العراب”  

وعلى صعيد التجارب الأخرى التي تكمل العلاقة بين المخرج وكاتب السيناريو، هنالك رواية “اللون الأرجواني” للكاتبة أليس ووكر والتي قدمها إلى الشاشات المخرج الكبير ستيفن سبيلبيرغ في تحول في مساره في مجال الإخراج لجهة الموضوعات الأكثر قربا منه والتي ظهرت في العديد من أفلامه ابتداء من أفلام الخيال العلمي أو تلك التي تنبش في التاريخ المعاصر.

أما هنا فنحن أمام رواية مفعمة بالحس واليوميات والرسائل التي كانت تكتبها المؤلفة من وجهة نظر الشخصية التي تعيش في وسط سلسلة من التداعيات الاجتماعية المرتبطة بالمجتمع الأميركي، في حقبة تداخلت فيها قضايا الحريات المدنية بالمواقف السياسية، وهو ما كرست الروائية ووكر أغلب أعمالها وخاصة المتأخرة منها له.

قدم الفيلم بالطبع سيرة موازية لسلسلة رسائل كانت تسطرها سيلي، وقد أدت الدور الممثلة ووبي غولدبيرغ في أول ظهور لها على الشاشة والذي عرّف بها وأطلقها بقوة، والحاصل أن ما بين الرواية والفيلم كان ذلك الدور المحوري الذي أدته وولدبيرغ بإتقان وبراعة لفتت الأنظار.

وهنا شكل آخر من الأشكال السردية المرتبطة بالرسائل وهي التي تمت إعادة بنائها سرديا على يد سبيلبيرغ لكسر حاجز الجمود بين السرد الأدبي المجرد وبين متطلبات الشكل السينمائي وهو ما أضاف للرواية أبعادا إضافية تجلت في بناء سردي متوازن وبناء مكاني رصين، وأضاف عناصر جمالية مهمة للفيلم لكنه أبقى ذلك الجدل ما بين الرواية والفيلم قائما.

والحاصل أن الإشكالية بقيت قائمة في الحساسية التي ترتبط بكاتب السيناريو في تفاعله مع أحداث وشخصيات روايته، وهو يراها كيف تم تطويرها أو تعديلها أو تحريفها أو إعادة بنائها أو سمها ما شئت من المصطلحات والتعريفات السائدة التي تتيح للمخرج وكاتب السيناريو تدخلات مباشرة في تقديم شكل سينمائي وإبداعي مختلف يتناسب مع الطبيعة الخاصة للوسائط السمعية البصرية.

 
15