الجمال الذي يتشبّث بالخلود

الجمال هو حدث عابر للهويات ولن يتمكن مكان أو زمان بعينهما من الإمساك به والتحكّم بملكيته. إنه ملك البشرية أينما حلّت وفي كل وقت تؤهلها عبقريتها فيه للاحتفاء به.
الاثنين 2021/01/25
تمثال "ملك وملكة" لهنري مور.. استلهام من الدمى السومرية

قبل سنوات بعيدة فيما كنت أتجوّل في معرض النحات البريطاني هنري مور (1898ــ1986) المقام على ضفة بحيرة وسط سهل شاسع بسبب ضخامة المنحوتات، لفت انتباهي تمثال بعنوان “ملك وملكة”.

مرّت سنوات ولم يفارق ذلك التمثال ذاكرتي. كان أثره كبيرا عندي. ربما بسبب شعور عميق باليأس استطاع مور أن ينتزعه من عيني بطليه.

ذات مرة وفيما أنا أتأمّل الدمى السومرية في المتحف العراقي رأيت فجأة دمية لم أكن قد رأيتها من قبل. كانت الدمية تمثل ملكا وملكة. تذكّرت حينها تمثال مور. حين عدت إلى صور ذلك التمثال اكتشفت أنه تجسيد مكبّر للدمية السومرية مع لمسات قليلة تشير إلى يد النحات البريطاني.

لقد بهرني ذلك الاكتشاف، فدفعني الفضول إلى البحث في تلك المسألة، فعرفت أن مور لم يخف العلاقة بين الاثنين. كان الرجل يعتبر تلك الدمى منجزا نحتيا مذهلا، يعود إليه كلما أراد أن يطوّر علاقته بالنحت.

كان يعود إلى تلك الدمى في كل مراحل حياته ليتأمّلها وليتعلّم من جديد كيف يمكن الوصول إلى خلاصات التعبير الإنساني. كان ذلك درسا عميقا في استلهام الحقائق الجمالية التي توصّل إليها الإنسان في الماضي، بغضّ النظر عن هوية ذلك الإنسان. فالجمال هو حدث عابر للهويات ولن يتمكن مكان أو زمان بعينهما من الإمساك به والتحكّم بملكيته. إنه ملك البشرية أينما حلّت وفي كل وقت تؤهلها عبقريتها فيه للاحتفاء به.

وإذا ما كان مور قد نقل حرفيا التمثال السومري من خلال تكبيره، فلأنه وجد الجمال فيه مكتملا ولا يحتاج إلى إضافات. ذلك ما فعله الفنان السومري لكي يكون العالم جميلا، وهو ما يمكن أن نفعله بعد آلاف السنين.

قالت الدمية كل شيء يمكن أن يقوله إنسان يحلم بالجمال وليس أمامنا سوى أن نقف أمامها لنتعلم من جديد الدرس الإنساني العميق في الجمال. ما لا يجب أن نتوقّعه أن يكون الفنان قادرا على البدء دائما من اللحظة الجمالية التي انتهى إليها الفنان السومري. تلك أمنية، غير أنها تميل إلى المستحيل الذي تنطوي عليه فكرة الخلود.

16