"الجمال السائبة" لقطات من الرعب المتكرر على طرقات الكويت

مع بداية إجازات الصيف من كل سنة تنشط حركة السفر بالسيارات في الكويت، لكن الجمال السائبة أصبحت تشكل خطرا يحدق بالمسافرين خلال رحلاتهم عبر الطرقات الطويلة، فلا يخلو عام من وقوع حوادث مميتة لراكبي السيارات، بسبب إهمال أصحاب الجمال وتركها ترعى بجانب طرق السفر، حتى أصبحت هذه الظاهرة الخطرة هاجسا لدى الجميع، تحتاج إلى معالجة دقيقة بزيادة الرقابة الأمنية على طرق السفر الحدودية، ومنع أصحاب الإبل من الرعي قرب هذه الطرقات.
الثلاثاء 2016/09/20
وسم الإبل يسهل محاسبة المهملين

الكويت - أن يعترض قاطع طريق سيرك وأنت تقود سيارة على إحدى الطرق السريعة، أو تتعرض لحادث سير بفعل إنسان، فهذا طبيعي، لكن ما هو غير مألوف هو عندما يداهمك جمل تحت جنح الظلام أو في وضح النهار، متسببا في حوادث مرورية تراق فيها الدماء.

هكذا هو المشهد في الكويت حيث “الجمال السائبة”، يتركها أصحابها ترعى وتتنقل دون متابعة، مشهد أضحى هاجسا وبمثابة فيلم رعب حقيقي يؤرق المواطنين والوافدين، بسبب هذه الأشباح العابرة للطرق فجأة وهي تحمل معها الموت لراكبي السيارات.

حوادث الجمال السائبة في الكويت غالبا ما تنتهي بالوفاة، ففي أواخر يونيو الماضي لقيت امرأة سعودية مصرعها في الحال وأصيب اثنان، عند اصطدام مركبتهم بجمل على طريق السالمي (شمال).

وعقب ذلك الحادث بأيام قليلة لقي سعودي مصرعه وأصيبت زوجته في حادث مروري بعد اصطدام سيارته بناقة سائبة على الطريق ذاته، ما اضطرّ رجال الإطفاء والنجدة إلى تقطيع السيارة حتى يتمكنوا من إخراج الجثة والمرأة المصابة، بحسب ما ذكرت وسائل إعلام كويتية.

حادثان مثلهما مثل كل حوادث الاصطدام بالإبل التي تنتهي في الأغلب بوفاة وإصابات مؤلمة، استدعت غضبة اجتماعية كبيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ودعوات لفرض وسائل وقاية وإلزام أصحاب الجمال باتباع أساليب حمائية لمنع تكرار مثل هذه الحوادث القاتلة.

ووفق إحصائية رسمية صادرة من وزارة الداخلية الكويتية الشهر الماضي، فقد تلقت الوزارة ألفا و112 بلاغا خلال الفترة من يناير 2016 وحتى شهر أبريل، بشأن وجود جمال سائبة، وذلك في إشارة إلى العدد الكبير من هذه الحيوانات التي تعبر الطرق في ظل إهمال من أصحابها، مهددة بخطر الوفاة لكل من يرتاد هذه الطرقات.

ولعل أكثر الحوادث المتعلقة بترك الإبل ترعى سائبة تشهدها طرقات كبد والمطلاع والصبية والعبدلي والسالمي والملك فهد السريع.

وتعدّ تربية الإبل ورعايتها والاهتمام بها من الموروث الكويتي الذي حافظ عليه الأجداد والآباء باعتبارها ثروة اقتصادية وحيوانية، يعتبرها الخليجيون من أهم مصادر الأمن الغذائي منذ قديم الزمان، لكن الإهمال في رعايتها زاد من خطرها على الطرقات العامة في ظل تطور وسائل النقل.

خارطة للرعي وتوعية سائقي السيارات

شرائح إلكترونية

طالب رواد مواقع التواصل الاجتماعي الحكومة بتفعيل دور البلدية، والهيئة العامة لشؤون الزراعة، ووزارة الداخلية، بمحاسبة أصحاب الإبل السائبة وسن عقوبات تردعهم، لكونهم يعرضون حياة الآخرين للخطر.

ويرى الأمين العام لاتحاد المحامين العرب، المحامي الكويتي دوخي الحصبان، أن أهم الحلول هو فرض الوسم على الإبل والتعريف بها وتقديمها في المختارية أو المحافظة لتكون مثل بطاقة هوية للإبل أو للتعريف بها فيمكن تحديد مالكها، خصوصا في حالة وقوع حوادث تصادم.

ويضيف الحصبان مبيّنا أن الوسم يسهل على الأجهزة الأمنية المختصة التعرف بسهولة على أصحاب الإبل السائبة أي التي يتركها أصحابها من دون مراقبة فتسير بجوار الطرق وتعرض مستخدميه للخطر.

وأكد على ضرورة وضع إجراءات رادعة في مختلف المناطق بهدف التقليل من نسبة الحوادث لمعالجة هذه المشكلة التي لها تبعات سلبية كبيرة تجاه المجتمع من حيث الخسائر في الأرواح والممتلكات.

وقال الكاتب في صحيفة الرأي الكويتية، وليد التنيب “لم نسمع أن هناك شخصا من ملاك أو من رعاة الجمال حُوسب”، متسائلا “أي إهمال نحن نعيش فيه فهناك أرواح تُزهق ولا أحد يحاسب”.

وتجنبا لمثل هذه الحوادث، اقترح التنيب “وضع شريحة إلكترونية تُزرع داخل كل جمل، تحمل كل المعلومات عن صاحبه، ويمكن تتبعها بالأقمار الاصطناعية”، مبينا أن هذه الطريقة “تحقق فوائد عدة فمن خلالها يمكن محاسبة المهمل، ويمكن لمراقب الطرق وهو في مكتبه معرفة إن كانت هناك جمال ترعى بالقرب من الخطوط السريعة، لتتم مصادرتها على الفور ومعاقبة صاحبها”.

وشدد التنيب على ضرورة أن “يكون تركيب الشريحة إلزاميا بالقانون، وتكلفة الشريحة يتحملها صاحب هواية تربية الجمال”.

من جانبه، قال مدير مجموعة العلاقات العامة والإعلام في شركة نفط الكويت (حكومية) محمد البصري “لا بدّ من إلزام أصحاب الإبل بإلباسها طوقا مضيئا مما يسهل رؤيتها أثناء الليل، للحفاظ على سلامة رواد الطريق من أي حوادث قد يتعرضون لها في المنطقة”.

توعية سائقي السيارات بضرورة توخي الحيطة والحذر أثناء سفرهم، والابتعاد عن القيادة في فترات الليل، وتجنب السرعة الزائدة من أجل سلامتهم وسلامة من معهم

أما الكاتب في صحيفة السياسة الكويتية، طارق الدريس، فقال إن “هذه الظاهرة الخطرة (الجمال السائبة) هاجس لدى الجميع ويجب أن تتم معالجتها عبر زيادة الرقابة الأمنية على طرق السفر الحدودية ومنع أصحاب الإبل من الرعي بالقرب منها”.

وطالب الدريس “بتوعية سائقي السيارات بضرورة توخي الحيطة والحذر أثناء سفرهم والابتعاد عن القيادة في فترات الليل وتجنب السرعة الزائدة والانتباه الجيد من أجل سلامتهم وسلامة من معهم”.

مدير إدارة الإعلام الأمني بوزارة الداخلية الكويتية المقدم ناصر بوصليب، من جهته يرى أن “حوادث الجمال السائبة تشكل خطورة كبيرة على عابري الطرق البرية”، مشيرا إلى أن مبعث الخطورة أن غالبيتها تتسبب في حدوث وفيات نظرا لظهورها بغتة أمام سائقي السيارات.

وأوضح أن وزارة الداخلية لا تمتلك إحصائية في حوادث الجمال السائبة، لكونها مشمولة ضمن إحصائية الحوادث المرورية في الطرق بأنواعها.

وكانت وزارة الداخلية قد كشفت مؤخرا أن عدد الوفيات بسبب الحوادث المرورية في البلاد منذ مطلع عام 2016 بلغ 135 حالة.

وأشار بوصليب إلى أن قلة أو كثرة عدد هذه الجمال لا يقلل من خطورتها ومن ضرورة معالجتها، لافتا إلى أن الوزارة تتعاون مع جميع الجهات المعنية ولا سيما الهيئة العامة للزراعة وبلدية الكويت لتوعية مربي الإبل بخطورة ترك الجمال وعدم متابعتها، بالإضافة إلى ضرورة وضع علامات عاكسة للضوء تكون بمثابة تحذير لقائدي المركبات.

بدوره، أوضح مدير العلاقات العامة في الإدارة العامة للإطفاء بالكويت العقيد خليل الأمير، أن الإدارة تتعامل مع هذا النمط من الحوادث من خلال إخراج الموجودين من السيارات، مؤكدا خطورتها لكون أغلبها قاتلة بسبب انقلاب السيارات المصطدمة بالجمال.

وأرجع هذه الحوادث إلى “إهمال أصحاب الجمال ورعاتها المسؤولين عن متابعتها وعدم درايتهم بأسلوب التعامل معها”، مشيرا إلى التنسيق الدائم عبر حملات توعوية، ووجوب اتخاذ إجراءات من الجهات المعنية مثل الهيئة العامة للزراعة والبلدية وغيرهما للحد من هذه الحوادث القاتلة.

مشكلة متعددة الأضلاع

يمكن القول إن هذه المشكلة متعددة الأضلاع لا تقتصر على مسألة ترك الرعاة لإبلهم طليقة في تلك المناطق الخطيرة، بل تتعداها إلى لزوم ضمان السلامة على جوانب تلك الطرقات ومداخلها ومخارجها، وضرورة نشر نقاط أمنية وطبية أو للنجدة السريعة، وصولا إلى تأمين الإضاءة على مسار الطرقات لتوفير الرؤية ليلا.

وفي محاولة منها للحد من تلك الحوادث، وضعت الهيئة العامة للزراعة بالتعاون مع بلدية الكويت ولجنة إزالة التعديات مؤخرا خارطة الرعي وحددت عليها الأماكن المسموح فيها بتواجد الحيوانات، للحيلولة دون وقوع مثل هذه الحوادث، مع تحرير غرامات مالية على المخالفين.

الإهمال سيد الكوارث

وعادة ما تتم مصادرة الجمال السائبة في الأماكن الخارجة عن حدود خارطة الرعي وحجزها وتحرير مخالفات ضد أصحابها لكن تلك الحوادث تتكرر بسبب إهمال الرعاة وخروجهم عن المناطق المعيّنة على خارطة الرعي.

ولدى دوريات الإدارة العامة للمرور ودوريات الإدارة العامة لشرطة النجدة ودوريات مديرية أمن محافظة الجهراء ومديرية أمن الأحمدي تعليمات بتشغيل الفلاشر، وإغلاق الطريق عند مشاهدة الإبل والماشية تتجاوز الطرق الرئيسية، على أن يتم فتح الطريق بعد عبورها.

ويهدف هذا الإجراء إلى الحيلولة دون وقوع حوادث، والقضاء على الاختناقات المرورية والمحافظة على سيولة حركة سير السيارات على هذه الطرق وفي الأماكن المحظور الاقتراب منها.

ويعتبر طريق السالمي من أطول خطوط سير السيارات في دولة الكويت حيث يبلغ طوله ابتداء من الدائري السادس المقابل لمنطقة الجهراء وصولا حتى نهاية الطريق عند مركز السالمي الحدودي المحاذي للحدود السعودية نحو 120 كيلومترا.

وتجنبا لمثل هذه الحوادث دعا مدير الإدارة العامة للعلاقات والإعلام الأمني بوزارة الداخلية العميد عادل الحشاش جميع سائقي السيارات من المواطنين والمقيمين إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة دائما على الطرقات السريعة أو غيرها، والحفاظ على مسافات كافية بين كل سيارة وأخرى والتقيد بحدود السرعة، مع ضرورة استخدام حزام الأمان في جميع الأحوال والظروف لتجنب آثار التصادم على الطرقات.

وأكد العميد الحشاش في تصريح لوكالة الأنباء الكويتية، بأنه على الجميع في حال الضرورة عدم التردد في الاتصال على هاتف الطوارئ (112) للإبلاغ عن أيّ حادث أو حالات عرقلة لحركة السير.

وبيّن أن هاتف الطوارئ يعمل على مدار الساعة لتقديم جميع المساعدات الأمنية أو المرورية والإنسانية متمنيا للجميع السلامة والقيادة الآمنة على الطرقات.

20