الجمال باعتباره مخلصا

الاثنين 2015/03/09

يقال إننا في ستينات القرن الماضي وفي سبعيناته، كنا أفضل مما نحن عليه من جهة إقبالنا على تذوق الفن الرفيع. كانت ذائقتنا الجمالية تتقدّمنا باعتبارنا زبائن صامتين لمعارض فنية ومسرحيات وحفلات عزف راق. كنا نزعم أن ضربات باغانيني على أوتار الكمان تقع على مقربة من القلب، قبل أن يفسر الدماغ المعاني التي كانت تصل إليه مشوشة.

شيء يشبه الشعر، ثكنة فراشات تلهم أجنحتها حقولا شاسعة تسكنها الطواويس الحالمة. كان العالم مفتوحا أمامنا. ولكنه الذي كان بحجم ما نعرف. كان عالما متوهما يذكر بنافذة الزنزانة، برغيف الجائع، بقبلة على شفتين يابستين.

كنا نذهب إلى قاعات العرض التشكيلي والمسارح وصالات العزف الموسيقي لننفصل عن الواقع. نترك أقدامنا الملوثة بضجيج الحياة لنمشي محلقين في فضاء عالم، كنا نعرف أنه لن ينظر إلينا بثقة. كنا كائنات هامشية، مريبة، طارئة. كم نحتاج إلى اعتراف يجعلنا قريبين مما كنا نفكر فيه؛ أن نكون جزءا من المشهد؟ ولكن المشهد كان بعيدا.

أتذكر أن أحد الرسامين أقلني بسيارته إلى إحدى الصالات، وكان يضع في مسجلة سيارته شريطا للموسيقى الأوروبية الكلاسيكية.

اندهشت يومها، ذلك لأنني توهمت أن الشارع لن يكون مكانا مناسبا لسماع مثل ذلك النوع الراقي من الموسيقى. لقد شعرت يومها أن ذلك الرسام كان يمثل عليّ دور المثقف البورجوازي المنقطع عن جذوره. بعدها بسنوات اكتشفت أن ذلك الرسام كان من أشدّ المولعين بالإنصات إلى أغاني داخل حسن وحضيري أبوعزيز وناصر حكيم. كنا غرباء عن الفن وكان الفن غريبا عنا.

الآن اتسع العالم بنا، غير أن ذائقتنا الجمالية باتت أضيق، لم يعد الفن الرفيع ليشكل جزءا من يومياتنا، غربتنا اتسعت؛ كائنات تائهة لا تعرف إلى أين تمدّ يدها لتعثر على ضالتها.

لقد زادنا القبح الذي يحيطنا من كل الجهات قبحا، من غير أن تكون لنا القدرة على الدفاع عن ملاذنا القديم، الجمال باعتباره منقذا ومخلصا ورفيق درب في الليل الطويل.


كاتب من العراق

16