الجمال والمتغيرات

الاثنين 2016/09/26

في اللغة العربية مفردتان، كلما جاءت الأولى اقترنت بها الثانية، مع أنهما متناقضتان في المعنى، والمفردتان هما، التالد والطارف.

أما التالد فهو القديم العريق، وأما الطارف فهو الجديد المستحدث، وحين أتذكر هاتين المفردتين وأجعل منهما مدخلا للفكرة التي أحاول تناولها، وهي الجمال بين ثوابت العراقة ومتغيرات الحداثة، لأن هذه القضية استمرت حاضرة في الحياة الإنسانية، منذ إطلالات الوعي الأول، ولم يكن حضورها نظريا فحسب، بل كان على جميع المستويات في المجتمعات الإنسانية، حتى على مستوى انطباعات الفرد البسيط، في ما يختار لنفسه ولبيته ولمحيطه من تكوينات معمارية وألوان وأزياء وأدوات زينة، وأدوات منزلية وغيرها، وهذا ما ظلّ حاضرا في حياة الإنسان حتى يومنا هذا.

وما زال الناس أفرادا ومجتمعات وشعوبا وأمما، تشغلهم قضية الجمال، في جميع مفردات حياتهم وفي كل ما يبدعون، ومازالوا يختلفون؛ فهذا ينحاز إلى القديم العريق وذاك ينحاز إلى الجديد المستحدث، وعلى الرغم من الملايين من حوادث الاختلاف، فإن الجمال التليد، كما ورثناه عن الحضارات الأولى وانتبهنا إليه في الأعمال الكلاسيكية، يزداد في نفوس الكثيرين وعقولهم، بهاء وقدسية، لكن في الوقت ذاته لم يتوقف التجديد في ميدان الجمال لحظة واحدة، إذ لا تطلع الشمس على الإنسان في أيّ مكان، إلا ومعها إضافة جديدة، ومتغيّر واضح.

لن أدخل في هذا الموضوع، عبر باب الحوار النظري، وليس هذا مجاله، بل سأحاول أن ألفت النظر إلى موقف الإنسان من الجمال، قديمه وحديثه، وسنرى أن الذين مازالوا في أعلى حالات الانبهار، من جميع مفردات الإرث الجمالي، في العمارة والرسم والنحت والشعر والموسيقى، حيث يحاولون مشاهدة الآثار المعمارية الشهيرة من قصور وقلاع ومدن ومعابد، ومعرفة كل ما قيل ويقال عنها، لكنهم في الوقت ذاته يعجبون بجديد فن العمارة ويتعاملون معه، ويعمرون بيوتهم في حدود ما وصل إليه، ويختارون أثاثهم بما فيها اللوحات التشكيلية من الجديد السائد.

إن إعجابنا بالنحت السومري مثلا، لم يمنعنا من الانبهار بإنجازات النحت الإغريقي والروماني، وكذلك بما تحقق في هذا الفن خلال عصر النهضة، وإن إعجابنا بمايكل أنجلو لم يحرمنا من التمتع بالتجديد الذي حققه النحات رودان، أو بخصوصية منحوتات جوكو ميتي، وإن الاعتراف بالعبقرية الاستثنائية للفنان الآشوري القديم الذي أنجز جدارية اللبؤة الجريحة مثلا، ما كان حائلا دون أن نقف مذهولين أمام أعمال الرسامين الكلاسيكيين في أوروبا، وإن عملاقا مثل دافنشي لم يحل دون ظهور رسامين مجددين أمثال غويا ورامبرانت، وشهد العالم بعد ذلك، مغامرات خطيرة عبّر عنها على سبيل المثال، فان كوخ وبول غوغان، ثم ظهر عمالقة جدد مثل ماتيس وبيكاسو وسلفادور دالي، ومهما اختلف الناس في الذائقة، فإن الذين أشرت إليهم كلهم لم يكونوا منتجي جمال فقط، بل كانوا قد تمثلوا جماليات الماضي وما تركت من ذائقة لدى الناس، فطالما تعرضوا للرفض والتشكيك والاتهام، وعن هذه الحالة قال غيوم أبولونير “أشفقوا علينا نحن الذين نعيش حالة صراع طويل بين ثوابت النظم والمغامرات”، لكن ليس عموم الناس ولا الذائقة المتشبثة بقيم الماضي هما اللذان يحققان الإضافة، حيث يقول بيكاسو “على الفنان ألّا يقوم بما ينتظره الناس منه، وإن ألدّ عدوّ للفنان، هو الأسلوب”.

24