الجمال يُنقذ العالم

الأحد 2017/11/19

لعل هذه العبارة هي الجملة المحورية في الرواية الطويلة، للأديب الروسي فيودور ديستوفسكي، التي أخذتنا إليها أوقات السجن، وصولا إلى صفحتها الأخيرة المرقمة 1500.

أراد الأديب في العام 1877 أن يختتم أعماله وحياته المحبطة، برواية يفسر فيها حزنه ويسجل آماله ويستشرف المستقبل ويتقصى الطريق إلى الجَمال الإنساني.

لم يكن يدري أنه يسبق زمنه وأن رواية “الإخوة كارامازوف” ستظل في موضع التمحيص والتأمل والتحليل، لأكثر من مئة وأربعين سنة، وأنها ستصبح أنموذجا لتحديات الذاكرة، والاقتراب من حال التقدم في السن، والإرث الذي حرص الرجل المتوفى في عمر الستين على تركه للإنسانية وللورثة.

قرأ الأدباء والفلاسفة والعلماء أعماله، ورأوه أحد العمالقة في تاريخ الأدب العالمي. واستفاد منه الساسة، على مر عشرات السنين، عندما كانت القراءة الأدبية شرطا للإجادة في السياسة.

ولعل ستالين، أصيب بالذعر من رواية “الإخوة كارامازوف” فأعاد قراءتها عدة مرات، غير أن عالم النفس اليهودي، سيغموند فرويد، استعذب ما كتب ديستوفسكي، الذي كان يكره اليهود، وقال عن روايته الأخيرة عن “الإخوة كارامازوف” إنها “أجمل رواية وأكثرها روعة على الإطلاق”. أما عالم الفيزياء الألماني ألبرت أينشتاين، فقد وصف الأديب، بأنه “أعظم من أمير الرياضيات كارل غاوس”.

قبل أن يبدأ في الكتابة، ركز على صديقه الشاب الفيلسوف سلوفيوف، لكي يستقي منه تعليلا لحال التردي العام الناجم عن حيرة الروح وعشوائية السلوك وأسباب تفشي النزعات الفردية الجامحة التي تتأذى منها مجاميع الناس.

ولكي يفكك مفردات الوعظ الديني العدمي والعقيم الذي يشوّه جماليات الإيمان ذهب إلى أحد الأديرة وأقام فيه، لكي يستلهم من كبير الرهبان شخصية الواعظ الدَعيّ “زوسيم” في الرواية. أما الناس، معقد الرجاء، فقد اشتاق إلى العودة لطبائعهم الأولى، لكي يغترف من صور وأنماط حياتها العادية، فعاد إلى قريته لكي يستنشق عبق الطبيعة وأحاديث الناس البسطاء وذكريات الطفولة.

ثمة حاجة لدى الكاتب، إلى فهم عميق للنفس الإنسانية، لكي يُشكل رؤيته للحال العامة ويكتب. فقد لاحظ معايشو ديستوفسكي، أن الرجل يريد أن يحيا عمرا مديدا بعد موته قبل أن يتوغل في الشيخوخة، لذا اختاروا أن يكتبوا على قبره اقتباسا بلسان المسيح من إنجيل يوحنا: “الحَقُ الحقُ أقول لكم.. إن وقعت حبة القمح على الأرض ولم تُدفن، ستبقى وحدها، وإن وقعت ودُفنت فستأتي بثمر كثير”.

كل ذلك قيل عن رجل لم يفعل أكثر من محاولة البرهنة على أن الجَمال يُنقذ العالم.

24