الجمعيات الخيرية.. الالتباس بين تمويل الإرهاب والخدمات الإنسانية

الثلاثاء 2017/06/13
دور إنساني وتطوعي

تونس - مرحلة ما بعد الثورات في تونس ومصر كشفت عن واقع الجمعيات الخيرية الناشطة في الساحتين التونسية والمصرية. عدد مهول من الجمعيات الخيرية والدعوية والتضامنية والاجتماعية ينشط في قطاعات عديدة ومتداخلة، صنع ضربا من الالتباس بين البعد المدني المفترض للجمعيات، وبين توفير مداخل للمال السياسي الفاسد وتمويل الإرهاب.

الارتفاع المهول الذي عرفه عدد الجمعيات الخيرية في تونس، مثلا، بعد ثورة 14 يناير 2011، وتزامن ذلك مع تصاعد نسق العمليات الإرهابية ونسق تسفير الإرهابيين إلى بؤر التوتر، فضلا عن الأنشطة السياسية خلال المواسم الانتخابية، دفع العديد من الملاحظين إلى التنبه مبكرا إلى الصلة التي تجمع الجمعيات الخيرية بمختلف هذه الأبعاد؛ الإرهاب والتسفير والمال السياسي الفاسد، وهي أبعاد على اختلافها الظاهر إلا أنها تمثل في عمقها الحقيقي ظاهرة واحدة متشابكة ومعقدة.

جدير بالتنويه أن قسما كبيرا من هذه الجمعيات تحول في وقت محدد من الانفلات العام الذي طبع مرحلة الثورات العربية، إلى واجهة لاستقبال الأموال الواردة من الخارج بعنوان تمويل أنشطة جمعيات المجتمع المدني، وجدير بالإشارة أيضا إلى أن قانون الأحزاب في جل دول العالم يحرص على إخضاع الحسابات المالية للأحزاب وتمويلاتها إلى مراقبة صارمة، وقد تحولت الجمعيات الخيرية خاصة إلى رافد تتملص من خلاله الأحزاب من تبعات المراقبة المالية والحظر. والازدهار العشوائي لإنشاء العمليات الخيرية، حيث تتحدث بعض الإحصائيات عن وجود ما يناهز 17 ألف جمعية في تونس أثناء عهد الترويكا، وارتباط قسم كبير منها بالإرهاب وتبييض الأموال وتوفير الدعم لبعض الأحزاب السياسية وللجماعات الإرهابية، من قبيل المعلومات وقواعد البيانات وعمليات الاستقطاب وتسهيل التسفير واختراق الإدارات وتسهيل استخراج الوثائق وغيرها من المهمات، سلط الأنظار بقوة على واقع هذا النشاط “المدني”، لكنه صنع في الوقت نفسه مواقف متعارضة ومتناقضة في التعاطي مع مثل هذه الجمعيات الخيرية.

قسم أول من الآراء انطلق من ارتباط قسم منها بالإرهاب ليصدر حكما قطعيا على وجوب مراقبتها وحصار نشاطها والتمحيص في تمويلها وحساباتها المالية، بالاستناد إلى أن محاربة الإرهاب لا تكون فقط في الجبال حيث يتمترس الإرهابيون، بل تنطلق وجوبا من تجفيف منابعه وخنق موارده. في حين دافع قسم ثان عن ضرورة وجود الجمعيات الخيرية، بوصفها جنسا من المجتمع المدني يمكنه أن يؤمّنَ نشاطا خيريا ومجتمعيا مفيدا للمجتمع والناس، باعتبار قدرتها على الوصول إلى الأحياء الشعبية والأرياف والقرى النائية وحيث تعجز قدرات الدولة عن الإيفاء بكل المتطلبات، والدليل على ذلك أن الجمعيات الخيرية قطاع موجود في كل دول العالم بل نجح في تقديم تدخلات إنسانية وخيرية عاجلة خاصة أثناء الحروب والكوارث وأزمات اللجوء.

الواضح أن لكل تصور قدرا من الوجاهة والصواب؛ إذ أن صلة العديد من الجمعيات الخيرية، ومشتقاتها من المدارس الدينية والكتاتيب ورياض الأطفال والحلقات الدعوية وغيرها، بالأعمال الإرهابية واضحة ولا تحتاج إلى جهود كبيرة لتوفير القرائن على ذلك، لكن هذا القول لا ينفي أهمية وجود الجمعيات الخيرية ودورها إن مورس في إطار القانون والشفافية المالية والمحاسبية. على أن ما ساد الساحة العربية والخليجية مؤخرا من قرارات تجاه دولة قطر أعاد إلى الأذهان دور بعض الجمعيات المحددة، التي تتوفر على إمكانيات مالية ضخمة مكنتها من لعب أدوار تتجاوز الأدوار المفترضة من الجمعيات الخيرية، خاصة في تونس وليبيا في الأعوام 2011 و2012 و2013، بل إن الذاكرة تحفظ اسم جمعية قطر الخيرية وهي جمعية تملك فروعا عديدة في تونس وفي أفطار عربية وأفريقية كثيرة وقد أدرجت مؤخرا في قائمة المنظمات الداعمة للإرهاب، ومثال “قطر الخيرية” هو مجرد عينة للمئات من الجمعيات الخيرية الأخرى التي تذرع الفضاء العربي والإسلامي دعما للإرهاب وللتنظيمات المتطرفة.

رسم الحدود بين الدور الإنساني والتطوعي للجمعيات الخيرية، وبين ضلوعها في أنشطة تخريبية داعمة للإرهاب هو أمر ممكن ومتاح بالتشديد على تطبيق القانون وتشديد المراقبة على التمويل والأنشطة والعلاقات، وهو مسار يمكّن من تحقيق هدفين على الأقل؛ الأول هو تطويق الإرهاب وحرمانه من مصدر هائل للتمويل باعتبار أن هذه الجمعيات كانت ولا تزال الحل الماكر لإيصال الدعم إلى تنظيمات الإرهاب، والهدف الثاني هو إعادة الاعتبار لدور ورسالة الجمعيات الخيرية، وهو دور تشوه بفعل جمعيات أريد لها أن تكون منصات خفية لدعم التطرف وواجهات يتم من خلالها التحايل على القانون وخيانة الرسالة وفي المحصلة حرمان الفئات التي يمكن أن تستفيد فعلا من هذه الجمعيات من خدماتها. الجمعيات الخيرية في زمن غياب الدولة تتحول إلى خطر قاتل بعناوين براقة.

اقرأ أيضا:

الجمعيات الخيرية مصدر دعم للتطرف والإرهاب

العمل المدني الإنساني ضرورة حيوية لكل المجتمعات

12