الجمعيات الخيرية التونسية خزان للإرهاب والأصوات الإنتخابية

لا يزال ملف الجمعيات الخيرية في تونس يؤرق السلطات والصحافيين والرأي العام نظرا لما تقوم به هذه الجمعيات من ضخ هائل للأموال لصالح تأطير مريب للمواطنين من ذوي الاحتياجات وذلك لغرض ممارسة أعمال إرهابية أو احتكار تلك الفئة كخزان انتخابي لصالح الأحزاب الإسلامية بشكل خاص.
الجمعة 2016/08/19
التحرر في مواجهة التطرف

تحولت الجمعيات الخيرية في تونس خلال السنوات الخمس الأخيرة إلى أذرع اجتماعية متنفذة ومدخل آمن للاستقطاب وخزان انتخابي بامتياز، وأيضا إلى فضاءات لتجنيد الجهاديين مستفيدة من أربعة عوامل أساسية: أولها تردي الأوضاع المعيشية لأهالي الأحياء الشعبية والجهات المحرومة وثانيها فشل القوى السياسية والمدنية في تأطير فئات واسعة من المحرومين، وثالثها تراجع أداء مؤسسات الدولة الرقابية ورابعها التمويل الأجنبي المشبوه.

وقد قفز ملف الجمعيات الخيرية إلى صدارة اهتمامات الرأي العام التونسي في أعقاب انتفاضة يناير 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي مترافقا مع حالة من التفريخ المريب للجماعات السلفية في معاقل الفقر والتهميش والحرمان والبطالة والأمية لتجد فيها محضنة خصبة لإطلاق مشاريع اجتماعية في شكل مساعدات لا تخلو من المقايضة بالولاء لأهالي فتكت بهم الخصاصة بعدما ناهزت نسبة الفقر في عدد من المناطق 60 بالمئة.

تمويل الإرهاب

وفق أكثر من دراسة اجتماعية تونسية وأجنبية أعدتها مؤسسات متخصصة لا يمكن فتح ملف الجمعيات الخيرية خارج السياق التاريخي والاجتماعي والسياسي؛ إذ ترافق تفريخ الجمعيات الخيرية مع تفريخ مماثل للجماعـات السلفية المتطرفة التي تؤمن بأن المدخل الأكثر جدوى لاستقطاب الفقراء والمهمشين هو العمل الخيري سواء تعلق بمساعدات مالية في المناسبات والأعياد أو بمساعدة البعض على إطلاق مشاريع صغرى تجارية في الأحياء الشعبية وزراعية في الجهات الداخلية تتراوح كلفتها ما بين 2500 و5000 دولار وقـد تصـل إلى نحو 10000 دولار.

150 جمعية ترتبط بمعاملات مالية مع خلايا جهادية متحالفة مع شبكات التهريب

وفي ظل حالة الفوضى الاجتماعية والسياسية واستفحال الخطاب السلفي في المساجد بدت الجمعيات الخيرية بالنسبة إلى عائلات أنهكها الحرمان الملاذ الوحيد للحصول على لقمة العيش ومواجهة تراجع مستوى المعيشة إلى مستويات دنيا تقدرها منظمة الدفاع عن المستهلك بما لا يقل عن 40 بالمئة فيما يشدد الأخصائيون على أن التراجع تجاوز في عدد من المناطق نسبة الـ56 بالمئة.

غير أن الجمعيات الخيرية لم تستفد فقط من مستنقعات البؤس والحرمان بل استفادت أيضا من عوامل سياسية ومدنية وأيضا من ارتفاع منسوب خطاب ديني سلفي يقدم المتشددين على أنهم حاملو رايات القضاء على الحيف الاجتماعي وأنصار للمستضعفين وسط حالة من الانفلات العام طبعت المجتمع التونسي خاصة خلال السنوات الثلاث الأولى التي أعقبت انتفاضة يناير.

يقول وجدي الزغل الأخصائي في العلوم الاجتماعية في جامعة 9 أفريل بتونس “لا يمكن فصل الجمعيات الخيرية عن الجمعيات المتشددة دينيا، فالسياق التاريخي لنشأة العمل الخيري ما بعد انتفاضة يناير مرتبط شديد الارتباط بالعمل الدعوي الذي يقوده الإسلاميون” مشددا على “أن الأمر يختلف جذريا عن مفهوم العمل الخيري الذي تشهده المجتمعات الغربية وهو عمل مدني في حلّ من أي أهداف دينية أو سياسية أو طائفية، أما ما حدث ويحدث في تونس فهو واجهة للتعبئة الدينية”.

ومن أبرز ملامح السياق التاريخي لنشأة الجمعيات الخيرية الإسلامية حالة الفراغ الكبيرة الناجمة عن غياب أي دور يذكر للقوى السياسية والمدنية في تأطير المهمشين وتحسس مشاغلهم والتفاعل الإيجابي مع مطالبهم المشروعة في توفير لقمة العيش الحلال، إذ جوفت الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية المجتمع التونسي من أي عمل من شأنه أن يحصن الأهالي المحرومين من طعم الجمعيات السلفية ويكفي أن نشير هنا إلى أن نسبة مشاركة أبناء الأحياء الشعبية والجهات المحرومة في نشاط الأحزاب لا تتجاوز 5 بالمئة إضافة إلى غياب أي نشاط ناجع للمنظمات الوطنية التي تكاد تكون مجهولة.

وفي ظل غياب مؤسسات الدولة الرقابية وتدني أداء عدد قليل من الجمعيات التنموية من جهة، وتسلل الخطاب الديني السلفي إلى مساجد وحتى بيوت التونسيين بدت الجمعيات الخيرية تقود نوعا من الفتح باتجاه كسب ولاء الأهالي وتعاطفهم مقابل مساعدات في ما يشبه مقايضة لا تخلو من الابتزاز اضطر إليها الآلاف من العائلات التي تعيش على دخل شهري لا يتجاوز 150 دينارا في أقصى الحالات (نحو 75 دولارا) متأتية من عمل غير منتظم.

الجمعيات الخيرية لم تستفد فقط من مستنقعات البؤس والحرمان بل استفادت أيضا من ارتفاع منسوب خطاب ديني سلفي

ويقر محسن الجندوبي القيادي في حركة النهضة ومؤسسة “جمعية مرحمة الخيرية” بأن الجمعيات الخيرية تغذت كثيرا من السياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية والدينية إذ يرى أن الإسلاميين وفي مقدمتهم حركة النهضة “وجدوا في تونس تصحرا في العمل الجمعياتي النوعي في ظل نسبة فقر تزيد عن 25 بالمئة”، مضيفا أن الإسلاميين “اكتشفوا بعد انتفاضة يناير حقيقة الدمار الاجتماعي والمجتمعي الذي يعيشه الشعب التونسي فكان لزاما علينا أن نؤسس جمعيات خيرية للتخفيف من المعاناة بما تيسر من مساعدات”.

أرقام مفزعة

تثير هذه الجمعيات شكوكا حول مصادر تمويلها في ظل أزمة اقتصادية ومالية أنهكت الدولة نفسها، ما دفع بالسلطات إلى فتح ملف التمويل الخارجي ومن يقف وراءه وماهية أهدافه الاجتماعية والدينية والسياسية في بلد يتوجس من أي شكل من أشكال التدخل في شؤونه الداخلية والمساس بسيادة قراره الوطني تحت أي عنوان من العناوين.

وعلى الرغم من تكتم غالبية الجمعيات الخيرية عن مصادر تمويلها مخافة افتضاح أمرها الذي قد يقودها إلى الحل والتتبعات القضائية توصلت “العرب” من خلال بحث استقصائي إلى أن الضخ المالي الأوفر متأت بغزارة من جهات عربية وغربية وفي مقدمتها دولة قطر وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية تحت عناوين مختلفة ولكنها تصب كلها إما في خانة العمل الإنساني وإما في خانة العمل التنموي. هذا إضافة إلى ما يقدمه الدعاة المشارقة الذين استباحوا تونس بنشر فكرهم السلفي الجهادي. وعلى امتداد الأعوام 2011 و2012 و2013 بدت مسألة التمويل الأجنبي للجمعيات الخيرية مجرد جدل اجتماعي وسياسي ومدني بين الإسلاميين والقوى العلمانية التي كثيرا ما حذرت السلطات من مخاطر الأجندات التي تقف وراء ابتزاز فقراء التونسيين ومحروميهم ومقايضة ولائهم السياسي بالمساعدات في مسعى إلى جر البلاد إلى التخندق في محاور دولية تهدف إلى نخر مجتمعات المنطقة العربية من الداخل بعد أن فشلت في نخرها من الخارج مستفيدة من تفجر ألغام الجماعات السلفية في غياب رقابة الدولة.

الإرهاب ملف أمني متشعب

لكن مع رحيل حركة النهضة عن الحكم بداية العام 2014 تحول الجدل من المقاهي ومقرات الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني إلى مقرات السلطات المعنية سواء منها السياسية أو المالية أو حتى القضائية بعد أن تأكدت من أن المئات من الجمعيات تجاوزت قوانين البلاد لتتلقى ضخا ماليا أجنبيا تحت عنوان هبات دون ترخيص مسبق من قبل السلطات وفق ما ينص عليه قانون الجمعيات الذي يلزم أي جمعية بالحصول على إذن مسبق والإعلام بمصدر التمويل وأهدافه وحجمه ونوعيته.

وسارع البنك المركزي إلى تركيز خلية متخصصة في التحاليل المالية لمراقبة تمويلات الجمعيات فيما أصدرت رئاسة الحكومة تعليمات صارمة إلى الجهات المعنية بالتدقيق في التمويلات سواء من حيث مأتاها أو من حيث حجمها أو من حيث أهدافها إن كانت خيرية وإنسانية بحتة أم أنها تتنزل في إطار أجندات.

ووفق ما توصلت إليه “العرب” وقفت السلطات التونسية بعد عمليات جرد وتدقيق على حقائق مفزعة تؤكد أن المئات من الجمعيات الخيرية تحصلت على مبالغ مالية خيالية تفوق المليارات من عدد من الجهات بعضها دول مثل قطر وتركيا وألمانيا وبعضها أثرياء خليجيون محسوبون على جماعات الإسلام السياسي راهنوا على الجمعيات لنشر الفكر السلفي الجهادي.

وتمتلك السلطات التونسية ملفات تتضمن تلقي العشرات من الجمعيات الخيرية، بما فيها “جمعية مرحمة” وجمعية “تونس الخيرية” التي أسسها نجيب القروي أحد نشطاء حركة النهضة، المليارات من الدولارات ظاهرها هبات لدعم العمل الخيري وباطنها جر المجتمع التونسي إلى أجندات محاور إقليمية ودولية تستهدف سيادة القرار الوطني وتعبث بأوضاع الفئات الهشة من التونسيين في مسعى إلى نخر مؤسسات الدولة وتركيز دويلات موازية تقود مشاريع منافسة للمشاريع الحكومية في الأحياء الشعبية والجهات المحرومة.

ويقول وجدي الزغل الأخصائي في العلوم الاجتماعية “إن ما يدعو إلى القلق فعلا أنه على الرغم من وجود ملفات تثبت تورط العشرات من الجمعيات الخيرية في تمويلات أقل ما يقال فيها أنها مشبوهة فإن السلطات تبدو متساهلة مع أحد أهم الملفات الخطيرة التي تستوجب قرارا سياسيا قويا لوضع حد لتسونامي جمعيات باتت لا تمثل فقط أذرعا للإسلاميين في تونس وإنما تمثل أساسا أذرعا لعدد من البلدان والأثرياء الخليجيين بما يمكنهم من حشر أنوفهم في السياسات التونسية سواء منها الداخلية أو الخارجية.

غير أن الحقيقة الأشد خطرا التي توصلت إليها “العرب” من مصادر أمنية هي أن أكثر من 150 جمعية خيرية ترتبط بمعاملات مالية مع خلايا جهادية متحالفة مع شبكات التهريب التي تستحوذ سنويا على نحو 600 مليون دولار وفق بيانات رئاسة الحكومة، ومن بين تلك الجمعيات “جمعية مرحمة”، الأمر الذي دفع بحكومة مهدي جمعة التي تولت الحكم بعد تنحي النهضة بداية العام 2014 إلى تجميدها دون حلها على الرغم من أن عددا منها يتلقى دعما من رئاسة الجمهورية فيما يرتبط بعضها الآخر بصفة مباشرة أو بطريقة ملتوية بحركة النهضة الإسلامية وأيضا بتنظيم القاعدة وتنظيم أنصار الشريعة.

6