الجمعية الحجتية.. أرضية عنف النظام في إيران ونقيضه المعلن

النظام القائم في إيران لا يعتمد فقط على ما أنتجته الثورة الإسلامية للعام 1979، بل يتكئ في تطرفه وغلوه على منطلقات وأدبيات سابقة لوجود الثورة. الفرقة الحجتية تأسست في العام 1953، وهي حركة تجمع بين التصورات الدينية (الإيمان بالمهدي المنتظر أو الحجة) والضلوع السياسي (عبر المشاركة في أعمال العنف داخل إيران وخارجها). التحالف بين النظام الإيراني والفرقة الحجتية يظهر في تتبع الأخيرة للوجود الإيراني فضلا عن كونها وفرت للنظام أكثر عناصره وقياداته تطرفا وتشددا.
الاثنين 2016/12/05
للتطرف الإيراني مناهل خفية

الفرقة الحجتية أو “الجمعية الخيرية الحُجَّتية المهدوية” جماعة دينية شيعية تأسست في العام 1953 على يد الشيخ محمود الحلبي. اتخذت اسمها المتداول من “الحجة بن الحسن” وهو أحد الأسماء الرمزية في المخيال الشيعي للمهدي المنتظر الذي سيأتي “ليملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا”. جاء تأسيس الحجتية في العام 1953 في سياق تاريخي وسياسي متداخل، إذ عُدت بمثابة رد فعل على انكسار الحركة الوطنية أولا، وتفشي الدعوة البهائية ثانيا، وكانت نشأتها بعد نجاح انقلاب الجنرال زاهدي على حكومة مصدق، فضلا عن كون الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي دعم الحجتية سرا، لتحديد نفوذ البهائية، وهو الهدف ذاته الذي دفع بعض علماء حوزة قم إلى دعم الجمعية.

الأبعاد المشار إليها (دعم الشاه ومساندة بعض علماء الحوزة فضلا عن الأبعاد الدينية المتصلة بالإيمان بعودة المهدي المنتظر) تضافرت لتقوّي نسق انتشار الجمعية في إيران. في السنوات الأولى للثورة الخمينية في إيران، برز نوع من التضارب بين تصورات الفرقة الحجتية ومبادئ ولاية الفقيه التي ركنت إليها الثورة، لكن الواضح أن الطرفين بحثا عن نقاط الالتقاء ولو في حدودها الدنيا.

كان التقاطع بين نظام الخميني والحجتية ينفتح على أكثر من بعد؛ البعد الديني والبعد السياسي. ففي البعد الديني كانت الحجتية تصطدم مع نظام ولاية الفقيه والتصور الخميني تحديدا، في أن الأخير يؤمن بوجوب أن يؤسس فقهاء الشيعة الدولة نيابة عن الإمام الغائب وأن يمارس الفقهاء دوره الفقهي والاجتماعي، كما كان الخميني يعتقد بأنه لا يجوز أن يظل الشيعة في مرحلة انتظار لا تُعرف مدتها. في حين كانت تقوم عقيدة الحجتية على الإيمان الراسخ بأن إشاعة الفوضى والفساد والظلم والقسوة في الأرض تعجل بظهور صاحب الزمان المهدي المنتظر، وتنفي أي ظهور سابق للمهدي بل تنتظره في المستقبل وترفع شعار “لا دولة شيعية قبل المهدي”. الخميني رأى في الحجتية عقبة أمام مشروعه لإقامة الدولة الدينية الشيعية.

لكن مياها كثيرة جرت بسرعة بعد الثورة، إذ جاء محمود الحلبي إلى الخميني مهنئا بنجاح ثورته واعتبر انتصار الثورة ضربا من التمهيد لخروج الإمام الغائب، وعبر بالتالي عن وضع كل عناصره وموارده البشرية (خاصة العسكريين) في خدمة الخميني. قبل الخميني العرض على أن يحل الحلبي تنظيمه، وكانت “التقية” حاضرة ومتبادلة.

"صمت" الحجتية أمام الصخب الثوري في إيران، لم يكن توقفا عن الفعل؛ فقد كانت الجماعة تتسرب في مفاصل المجتمع وفي هياكل الدولة، وحتى خارج إيران

أجلت الحجتية خلافاتها مع نظام الخميني، من قبيل إيمانها الذي أفصحت عنه حال نجاح الثورة بأن نظام ولاية الفقيه اغتصب ولاية المهدي وأسهم في تأخير ظهوره، وأن كل دولة تظهر قبل المهدي هي دولة طاغوتية غير شرعية وما إلى ذلك، بل أصبحت تطلق شعار “إلهي إلهي احفظ لنا الخميني حتى ظهور المهدي”، وهو شعار وفي لتصورات الجماعة ولا يتناقض مع مرتكزات الثورة في آن واحد.

“صمت” الحجتية أمام الصخب الثوري في إيران، لم يكن توقفا عن الفعل؛ فقد كانت الجماعة تتسرب في مفاصل المجتمع وفي هياكل الدولة، وحتى خارج إيران، في ظل تغاض رسمي غير معلن من قبل العديد من قيادات الثورة. تقارير عديدة ألمحت إلى تمكن الفرقة من الوصول إلى مراكز عليا عن طريق الشخصيات التي كانت تؤمن بما تقول به الحجتية.

تبين أن الجماعة حلت نفسها صوريا، لكنها نجحت في أن تمد النظام بأكثر عناصره تشددا. منذ البدء كان عناصرها أعضاء في الحكومة المؤقتة لمهدي بازركان (1979 – 1982) من أمثال وزير التربية والتعليم علي أكبر برورش، والوزراء سيد حسن سجادي وسيد حسن افتخار زاده سبزواري وغيرهم. ثم أنشأت الجمعية منظمات عديدة بأسماء مضللة على غرار مؤسسة الغدير ومؤسسة نشر أفكار آية الله الخميني.

تغلغل الحجتية في مؤسسات الدولة الإيرانية، وسيطرتها على العشرات من كبار القيادات السياسية الإيرانية، جعلا الربط بين الممارسات الإيرانية في الداخل والخارج، وبين مبادئ الفرقة الحجتية القائمة أساسا على أن إشاعة الظلم والفساد سبل للتسريع بعودة المهدي المنتظر، يكتسب وجاهة كبيرة. إذ تروج في الأوساط الإيرانية معلومات متداخلة عن انتماء مسؤولين سياسيين إيرانيين إلى الحجتية، بل إن البعض ذهب إلى القول إن الجناح المتطرف في إيران هو الجناح المنتمي بالضرورة إلى الحجتية. بل إن تصريحات ومواقف البعض من المسؤولين الإيرانيين من أمثال الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، ومدير مكتبه أسفنديار رحيم مشائي وآية الله أحمد جنتي، رئيس مجلس خبراء القيادة في إيران، وبعض القيادات الدينية في قم وغيرهم، هي استحضار لخطابات وأطروحات محمود الحلبي وصحبه.

نخلص إلى أن الفرقة الحجتية المهدوية هي جماعة دينية شيعية متطرفة، وهي لا تختلف كثيرا عن التيارات الدينية المتطرفة التي تعربد في العالم العربي والإسلامي، إلا أن تغلغل هذه الجماعة في شرايين النظام الإيراني، يجعلها أكثر خطورة من غيرها. والفكرة الرئيسية التي تؤمن بها الجماعة والقائمة على ضرورة نشر الفوضى والفساد والإفساد في الأرض عوامل أساسية للتسريع والتعجيل بظهور المهدي المنتظر، يمكن تلمس أصدائها في أعمال القتل والاغتيال الشائعة لا فقط في إيران بل أيضا في العراق ولبنان واليمن وغيرها.

13