الجمع بين العمل من المنزل والمكتب يحقق السعادة للأسر والرفاهية للمجتمعات

جداول العمل الهجينة مفتاح المعادلة الصعبة بين الحياة الأسرية والمهنية.
الأحد 2021/06/20
فوائد لا تحصى لنظام العمل الهجين

أصبحت ثقافة العمل من المنزل جزءا لا يتجزأ من الحياة المهنية في معظم المجتمعات. لكن في الوقت الذي يسود فيه تفاؤل واسع النطاق بشأن إمكانية أن تساهم الوسائط التكنولوجية المتعددة والإنترنت في تحقيق مستقبل أفضل وأكثر استدامة للأسر والمجتمعات وتتصدى للتحديات والأزمات العالمية المتعلقة بالفقر وعدم المساواة والازدهار والسلام والعدالة، فإن الدراسات العلمية تؤكد على أهمية أنظمة العمل "الهجينة" المقسّمة بين المنزل والمكتب كخطوة مهمة في طريق تحقيق التوازن بين العمل والحياة الأسرية، الأمر الذي سينعكس على أداء وسلوكيات الموظفين ومجتمعات بأكملها.

ساهم التقدم الرقمي والإنترنت فائق السرعة وتفشي وباء كورونا في جعل خيار العمل من المنزل مشهدا مألوفا في عدة بلدان، ما أعطى الكثيرين شيئا من السيطرة على حياتهم الأسرية والمهنية، وأتاح لهم الفرصة للتخلص من أعباء الالتزام بالحضور والانصراف في مواعيد محددة والتنقل يوميا إلى المكتب.

 ومن المتوقع أن تؤدي حملات التلقيح المتواصلة في جميع أنحاء العالم إلى إعادة الشركات النظر في جداول العمل المرنة فتسمح لموظفيها إما بالعودة إلى المكاتب التي كانت مهجورة إلى حد كبير في ذروة تفشي الوباء، أو بمواصلة العمل من المنزل.

وتعتبر هذه القضية معقدة بالنسبة إلى بعض المؤسسات التي تفرض متطلبات العمل العودة الإجبارية إلى المكتب، غير أن المرونة في العمل  أصبحت بعد تفشي الوباء أولوية لنسبة كبيرة من الناس ممن يرفضون أي تحول جديد في بيئة العمل أو أي إعادة تنظيم لها.

وكشف استطلاع للرأي أن 4 في المئة فقط من الموظفين يريدون العودة إلى المكاتب بدوام كامل، فيما يفضل معظمهم العمل من المنزل يومين أو ثلاثة أيام في الأسبوع.

وفي حين يمثل الدافع إلى تفضيل العمل من المنزل فرصة للاستمتاع ببعض الراحة والاسترخاء والتوازن بين العمل والحياة الأسرية، فإن الاستطلاع بيّن كيف أن مزيجا من العمل عن بُعد والمكتب يمكن أن يلعب دورا كبيرا في تعزيز الفوائد المستدامة للأفراد والمؤسسات والبيئة.

مشاكل الحضور الشكلي

كما يعد دمج الحياة المهنية والأسرية من الخيارات التي تحظى بأهمية كبيرة لضمان الصحة الجيدة للأسر ورفاهيتها، ويساعد ذلك على تحقيق نوع من التوازن للعديد من الأزواج والأسر لقضاء وقت أطول مع أطفالهم، أو للذين يعتنون بآبائهم المسنين.

وأشارت دراسات عديدة إلى أن النمو في المناطق الحضرية والاختناقات المرورية والتنقلات الطويلة ودورها في رفع مستويات التوتر لدى الناس والأمراض التي تنقلها بيئات العمل والاختلاط بين الموظفين، إضافة إلى المشاكل المترتبة على الحضور الشكلي للموظفين في المكاتب، هو ما دفع بعض الخبراء إلى الدعوة لتنفيذ أنظمة للعمل “الهجين” تجمع بين الجانبين التقليدي من المكتب والعمل من المنزل لتعزيز الصحة النفسية للناس والحد من عوامل التوتر المحتملة.

22

في المئة نسبة الضغط النفسي والإجهاد التي يقللها نظام العمل المرن من المنزل

ويمكن أن تؤدي القدرة على العمل في المنزل في بعض الأيام إلى استخدام الوقت بشكل أكثر كفاءة، وتقليل الإجهاد الناجم عن حركة المرور ومشاكل التنقل الأخرى، وإتاحة هذا الوقت لتلبية الاحتياجات الشخصية، والانخراط في أنشطة بدنية صحية، أو التعامل مع المسؤوليات العائلية.

ووجدت نتائج الأبحاث التي أجريت في هذا الصدد العديد من الفوائد الإيجابية على الصحة والرفاهية في الأيام التي يعمل فيها الأشخاص من المنزل، طالما لم يتجاوز ذلك ثلاثة أيام في الأسبوع.

ولم يتم التوصل إلى نفس النتائج عند دراسة مدى تأثير العمل من المنزل بشكل حصري لنظرا لأن ذلك يمكن أن يؤثر بشكل ملحوظ على تماسك فريق العمل مقارنة بالتفاعل الاجتماعي وجها لوجه.

وينصح الخبراء المؤسسات بضرورة أن تأخذ على محمل السلبيات التي يشكلها عبء الحضور الشكلي اليومي للمكتب أو العمل الدائم من المكتب، والسعي إلى توفير المرونة العمل ليومين أو ثلاثة أيام من المكتب وبقية الأيام من المنزل، لاسيما وأن تواجد الموظفين لأطول ساعات ممكنة في بيئة العمل لا يؤدي إلى رفع مستويات الإنتاجية.

وثمة أدلة جديدة كشفت عنها دراسة أجرتها مؤخرا جامعة نافارا الإسبانية على أن العمل من المنزل يقلل من الإجهاد المرتبط بالتنقل بنسبة 63 في المئة، كما من شأنه أن يعزز سعادة الموظفين بنسبة 10 في المئة، لكنه في المقابل تسبب في انخفاض بنسبة 21 في المئة في تعدد المهام الذي يسبب التوتر ويضعف جودة العمل.

التوازن بين العمل والأسرة

العمل الهجين يساعد على توظيف الوقت بشكل أكثر كفاءة ويساهم في تقليل الإجهاد الناجم عن حركة المرور ومشاكل التنقل الأخرى
العمل الهجين يساعد على توظيف الوقت بشكل أكثر كفاءة ويساهم في تقليل الإجهاد الناجم عن حركة المرور ومشاكل التنقل الأخرى

يقول بيلار دي كاسترو مانغلانو، وهو طبيب نفسي في جامعة نافارا ومحاضر في كلية إدارة الأعمال “آي.إي.إس.إي”، إن “تكلفة العمل تعتمد أساسا على ظروف الوظيفة المادية والمسافة بين العمل والمنزل وحركة المرور. ويؤدي الحضور الشكلي بالتأكيد إلى المزيد من التواصل مع الزملاء، ولكنه يقود إلى التشتت وتقليل الكفاءة”.

وأضاف “قد تستثني المؤسسات والجداول الزمنية الصارمة بعض الفئات من العمل، مثل الأمهات، لكن في الاختبار التجريبي الذي أجريناه في المركز الدولي للعمل والأسرة التابع لـ’آي.إي.إس.إي’، حيث تناوب موظفو الشركة على العمل في المكتب مع العمل من المنزل، وجدنا أن الجميع استفاد من ذلك، وكانت الأمهات الأكثر استفادة، ومثل هذا الأمر يجعل خيار العمل عن بُعد جنبا إلى جنب مع العمل الحضوري يمثل أداة لتحقيق التوازن بين العمل والأسرة وبناء فرص متكافئة للرجال والنساء”.

وأكد مانغلانو أن نموذج العمل الهجين يقلل من الحاجة إلى السفر، ما يساعد على تخفيض استهلاك الطاقة في وسائل المواصلات والمكاتب بعد أن تصبح التنقلات بين المنزل ومؤسسات العمل غير ضرورية. ومن خلال الحد من تنقل العمال، يمكن أن يكون العمل عن بُعد طريقة بديلة لتقليل الانبعاثات الملوثة للبيئة والمضرة بالمناخ التي تتسبب فيها وسائل النقل.

ودعا الشركات والنقابات وجمعيات أصحاب العمل والحكومات إلى تلبية احتياجات الموظفين الجديدة عبر إحداث هذا التغيير في أنظمة العمل وإعادة النظر في السياسات والمعايير الإدارية الجديدة التي يتم وضعها لمنهجية العمل، ونظم توزيع المسؤوليات، ومنهجيات المتابعة، وأخلاقيات وأدوات العمل.

21