الجملة الشعرية

الخميس 2016/04/28

فتح عالم الإلكترونيات، في صيغته الفيسبوكية على وجه التحديد، نوافذ جديدة للكتابة خرقت المألوف من "ضوابط النشر" المعتادة، وتجاوزت الكتابة الورقية بطريقة واضحة، وباتت معظم صفحات الفيسبوك الشخصية كصحف ثقافية شخصية تحدّت نفسها مع الوقت من دون مراعاة الكثير من "أخلاقيات" النشر والكتابة، وليست أقلها اللغة التي عاث بها مفسدو الفيسبوك، وحجّموا من قيمتها الاعتبارية، مستسهلين النشر اليومي من دون رقابة لغوية كما يحدث في الصحف الورقية.

وقد وقع "الشعر" في هذا الفخ العظيم تحت مسميات كثيرة كـ"الومضة" شائعة التناول بين الجميع، ومع انتشار مثل هذه الكتابات لأسماء معظمها غير قابل للحفظ أو التذكر، لكن هذه الظاهرة الكتابية تشكلت بظرفها الإلكتروني وإنْ تحت مسميات الومضة أو الخاطرة أو غيرها.

وحينما نفتح هذا الملف سنقرّ أن هناك كتابات خرجت من الهامش إلى المتن الفيسبوكي وثبت أنها قابلة لأن توطّد صلتها الأدبية اليومية، وهذه الكتابات على قلتها ثبت أنها كانت منزوية نشرا ورقيا، لكن فضاء الفيسبوك أتاح لها الظهور بطريقة مباشرة وسريعة واكتسبت إلى حد ما بريقها الأدبي القابل للوصول إلى القارئ العربي، ومع أن هناك انزواء نقديا واضحا بسبب سعة المشاركات، وبروز أسماء كثيرة خارج المنتوج الورقي من الصعب الإمساك به وتصنيفه، إلا أنه من الثابت أن الكتابة البرقية القصيرة، التي تشبه الهايكو أو تجاوره أو تحاذيه، هي الكتابة الأكثر بروزا والأكثر شيوعا بين الهواة وحتى المحترفين من أسماء معروفة كثيرة.

بعلاقتنا اليومية في هذا العالم الإلكتروني، واطلاعنا على الكثير من هذه النماذج وجدنا أن نحدد المستوى النقدي لمفهوم هذه الكتابة الجديدة، لنصل إلى أن “الجملة الشعرية” مصطلح مناسب لهذا اللون الكتابي الذي يأخذ من الشعر طاقته التصويرية وبراعته في اقتناص اللحظة المناسبة لتثوير المفردة، ومن النثر عبارته المتشحة بالبلاغة والجمال.

“الجملة الشعرية” لهذه الكتابة التي تولد في ظرفها السريع هي المصطلح الأنسب لأنها تكتفي بذاتها ولا تتحمل وزر أي إضافات أو حذوفات، فهي متكاملة معنى ومبنى وإيحاء وترسل شفراتها الجمالية بطريقة فيها، وهنا أتحدث عن النماذج الأكثر قدرة على التصوير الشعري.

العلامة الإلكترونية الجديدة التي وفرها الفيسبوك نشرت مثل هذه التجربة في السنوات الأربع الأخيرة، وأصبحت الحاضنة الأثيرة للهواة والمحترفين، ولكن المشكلة تتوضح في أن الأغلبية الساحقة استسهلت الكتابة لأسباب عاطفية، بما يشبه رسائل الحب المشفّرة أحيانا والمفضوحة في غالب الأحيان فأساؤوا لقيمة الكلمة بكل معنى الإساءة.

“الجملة الشعرية” دالّة جديدة أحسبها جملة برقية استفادت من الشعر ومعطياته الثرية والنثر ببلاغته المتينة، وبتقديراتنا إنها لن تواجه قبولا فوريا، ففضاء ما بعد الورق فضاء شبحي حتى الآن من دون رقابة نقدية، والرقابة هنا بمعناها النقدي التقييمي. وهذه كتابة تحتاج إلى رصد ومتابعة وتدقيق وغربلة كما في كل شكل شعري أو نثري جديد.

"الجملة الشعرية" هي الشكل الذي وصل إلى عصر الإلكترونيات عبر المملكة الزرقاء الفيسبوك، وأعتقده سيبقى طويلا ليمثل عصره الجديد في خضم متغيرات ثقافية وسياسية كبيرة، فهو معبّأ بشرائح نفسية عالية الدقة والكثافة تندغم بزمنية المكان الافتراضي، وهو زمن مطاطي، حالم، غير واقعي تماما، وغير متكامل في بناه الداخلية، لأنه مؤسّس على فضاء بلا مساند هندسية ولا أرضية محكومة بعواملها المعروفة، ولكن لأن الشعر هو مادة لا زمنية، فهو الأجدر أن يستوعب مثل هذه التراكمات اليومية.

كاتب من العراق

14