الجملي "المغمور" في مهمة اقتصادية مستحيلة

أمام الجملي أرقام مفزعة تنتظر معالجة عاجلة وعملية وليس بالشعارات أو التنظيرات.
الخميس 2019/12/05
أمام تحدّي كبير

في أغسطس 2016 عندما ظهر يوسف الشاهد كرئيس للحكومة الثانية بعد حكومة الحبيب الصيد في فترة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، كان الجميع يظن أنه في طريق مفتوح لينقذ البلاد من أزماتها المزمنة، لكن بعد ثلاث سنوات ونصف السنة تأكد أنه لم يفلح في مسعاه والمؤشرات الضعيفة دليل على ذلك.

اليوم، نفس المشكلة على الأرجح سيواجهها رئيس الحكومة الجديد الحبيب الجملي، كونه أمام تركة ثقيلة وتحديات صعبة ومعقدة لا حصر لها في طريق تعديل أوتار التوازنات المالية المختلة.

يفترض أن يكون أول تحرك للجملي عقب إعلانه عن فريقه الوزاري الأسبوع القادم، هو إحداث اختراق، ولو بسيط، في جدار الأزمات المتراكمة لترجمة تطلعات الأوساط الاجتماعية بتحسين ظروفها المعيشية التي تعتبر الأسوأ على كافة النواحي.

رئيس الحكومة المغمور سيجد نفسه في مهمة اقتصادية مستحيلة، فخزينة الدولة تشكو الفاقة، ومعظم القطاعات التي كانت الداعم رقم واحد للمالية العامة مثل قطاعي الفوسفات والاستثمار في تراجع رغم تطمينات المسؤولين بين الفينة والأخرى عن عودة نشاطها.

ومع أن القطاع السياحي الوحيد، الذي استطاع النهوض من كبوته بعد الهجمات الإرهابية في العام 2015، لكن وفي ضوء الوضع الراهن ليس هناك ما يشير إلى أن القطاعات الحيوية الأخرى ستترك مربع الركود.

معظم المؤشرات الاقتصادية تدق ناقوس الخطر، وغياب الجرأة لدى الحكومات السابقة في تحمل مسؤولياتها جعل تلك الأرقام سلبية، بل وكارثية، مما نتج عنه تعطل أغلب الشركات عن الإنتاج بالشكل المطلوب، وبالتالي كبّد البلاد خسائر فادحة.

أمام الجملي أرقام مفزعة تنتظر معالجة عاجلة وعملية وليس بالشعارات أو التنظيرات، فالنمو، الذي بلغ في المتوسط 4.7 بالمئة في السنوات العشر التي سبقت الإطاحة بالرئيس الراحل زين العابدين بن علي، انحدرت إلى 1.8 بالمئة في المتوسط منذ ذلك الحين. ولم يتجاوز النمو هذا العام 1.1 بالمئة.

المشكلة الأكبر أن فقاعة الديون في اتساع متواصل، حيث تجاوزت حاليا عتبة 29 مليار دولار، وهو ما يعادل 71 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، بينما يتوقع البنك الدولي أن تصل بنهاية العام المقبل إلى قرابة 89 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

كما أن البنك المركزي يملك احتياطيا من العملة الصعبة في حدود 6.6 مليار دولار، بعد أن كان عند 13 مليار دولار في 2010. ليس ذلك فحسب، بل إن قيمة الدينار المتذبذبة أمام اليورو والدولار مشكلة أخرى تشكل صداعا مزمنا، وهو ما يجعل من مهمة رئيس الحكومة الجديد صعبة للغاية.

هناك صعوبات أخرى تتمثل في الإيفاء بالتعهدات المالية تجاه الإنفاق العام نتيجة تزايد الحجم الإجمالي لكتلة الأجور من 3 إلى 6.5 مليار دولار سنويا مقابل تراجع الإنتاج، بالإضافة لاستقرار نسبة البطالة عند معدل مقلق بنحو 15 بالمئة، ولكنه يزداد سوءا في المناطق الداخلية الفقيرة حيث تتجاوز البطالة 30 بالمئة في بعض المدن.

وبين هذا المؤشر وذاك يكتوي المواطنون وخاصة ممن ينتمون إلى الطبقة الفقيرة بلهيب نار الأسعار وتدهور مقدرتهم الشرائية بشكل متسارع رغم كل الجراحات التجميلية، بما يترك الباب مواربا على مصراعيه أمام استفحال ظاهرة الاقتصاد الموازي المتمثل في أنشطة التهريب.

ورغم ضبابية الرؤية السياسية وتركة حكومة الشاهد الملغومة، إلا أن الحاجة إلى اعتماد استراتيجية واضحة المعالم أمر ضروري، بعيدا عن المحاصصة الحزبية ولوبيات الفساد، التي فشل رئيس الحكومة المنتهية ولايته بكبح تمددها في مفاصل الدولة.

أمام الجملي عدة طرق يجب عليه أن يسلكها لإنعاش الاقتصاد التونسي المنكمش، فإلى جانب ما ترشح به خطط الحكومات دائما لتحفيز النمو، فإن استئناف خصخصة القطاع العام، على سبيل المثال، يبدو أمرا لا مفر منه لتعزيز المالية العامة للدولة، إذ كيف لدولة تقترب من الإفلاس تتحمل عبء أكثر من 210 شركة حكومية، فضلا عن مساهمتها في 17 بنكا من إجمالي 24 بنكا تمثل القطاع المصرفي التونسي.

لقد ارتكز نظام الخصخصة قبل 2011 بالأساس على توفر عامل مهم وهو الاستقرار الأمني لضمان استدامته مستقبلا، لكنه تطلب أيضا شجاعة من قبل المسؤولين في هرم السلطة والمستثمرين على حد سواء للدخول في مجازفة قد تنتهي أحيانا بعواقب غير متوقعة.

سيكون الوضع الأمني المستقر قياسا بالسنوات التي سبقت 2016، دافعا لاتخاذ خطوة الخصخصة لدفع عجلة الاستثمارات باعتماد الدبلوماسية الاقتصادية مع حزمة الإجراءات المتوقع اتخاذها على الرغم من رفض الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر نقابات البلاد لمثل هكذا خطوات.

معلوم أن العلاقة بين الخصخصة والاستثمار في النظام الاقتصادي الرأسمالي علاقة بديهية، حيث أن الهدف الأساسي من تلك الخطوة نظريا، هو دعم الاستثمارات المحلية واستمالة المستثمرين الأجانب لتحفيز النمو وتعبئة موارد إضافية للدولة.

ولكن هذه العلاقة عمليا معقدة فهي تتطلب رؤية ثاقبة من قبل السياسيين لتحقيق الأهداف التي من أجلها تتخذ خطوة “بيع الدولة”، كما يصفها الرافضون لمثل هكذا خطة، والخروج بأخف الأضرار من شبح الإفلاس المخيم.

مبررات اتخاذ الخطوة كثيرة، فالحكومة ببساطة قد تلجأ إلى ذريعة عدم جدوى القطاع العام وضعف مردوديته وأنه أصبح يشكل عبئا ثقيلا على الموازنة العامة للدولة، وبالتالي وجب تغيير المعايير التي كانت تحكم القطاع العام بمعايير أخرى تعتمد على السوق وعلى منطق الربح بهدف مضاعفة التنافسية للشركات.

ولبند الدعم المخصص في الموازنة قصة أخرى لا تقل تعقيدا عن النقاط السابقة، فتونس تتعرض لضغوط شديدة من قبل صندوق النقد الدولي لتقليصه إلى أقصى حد لاستكمال برنامج الإصلاح المتفق عليه مقابل الحصول على قرض بقيمة 2.9 مليار دولار.

وعلامة الاستفهام هنا تتعلق بكيفية تعاطي الجملي مع هذا الملف الحساس، وخاصة الوقود الذي تمت زيادة سعره خمس مرات منذ العام الماضي، وهناك احتمال بأن يتم الرفع فيه للمستهلكين بنهاية ديسمبر الجاري كتحرك أخير خلال هذا العام قبل توسيع العملية في 2020.

كما أن الشركات الخاصة، التي بينها ارتباطات قوية وتهيمن على البعض من القطاعات، من خلال عملها ضمن تحالفات احتكارية يشكل مطبا مزعجا لرئيس الحكومة الجديد، لأنه مطالب بوضع خطة لكسر ذلك الحاجز عبر تنشيط الشركات الأصغر حجما، والتي لم تعد قادرة على جمع تمويلات لمواصلة استثماراتها.

10