الجمهوريات المضطربة والملكيات الأفضل

السبت 2013/12/14

إن المتمعّن والمتابع للتطورات والأحداث السياسية منذ انطلاق ثورات الربيع العربي في غير دولة عربية، يجد بقليل من الملاحظة والانتباه أن الجمهوريات العربية هي الأكثر اضطرابا والأكثر تعرضا للعنف المتبادل بين أطراف الصراع المتبادل، وأن الاحتجاجات الشعبية في هذه الدول هي الأكثر ديمومة وتحوّلا عنفيّا والأكثر جموحا وافتقادا للسيطرة، بينما نجد الملكيات العربية تعيش حالة سياسية أفضل حالا من حيث درجة الاحتجاج وحدة العنف المتبادل ومن حيث ديمومة الحدث التصادمي بين الأطراف المتصارعة (قارن في الفترة الزمنية من ثمانينات القرن الماضي إلى يومنا الراهن الاضطرابات والصراعات والحروب في العراق وسوريا وليبيا والسودان واليمن والجزائر ومصر مع أحوال المغرب والأردن ودول الخليج العربي).

هذا لم يأت من فراغ ودون أسباب حقيقية، لعل أهمها أن الملكيات والإمارات العربية تمتد في الحكم إلى فترات أقدم من الزمن (300 عام بالنسبة لدول الخليج الست، وأكثر من ذلك في الحالة المغربية)، كما أن الأوضاع الاقتصادية في الدول الملكية أفضل من الجمهوريات، فعدا الخليج الغني بالنفط والذي ينعكس إيجابا مردودا جاهزا وتشغيلا على شعوب دوله، نرى الأردن الدولة الفقيرة بالموارد الطبيعية قد حولت مواردها البشرية إلى ثروة فزاد دخل الفرد فيها على سوريا الدولة الجمهورية، إذ يبلغ 5400 دولار مقابل 4800 دولار دخل الفرد السوري، وذلك بإتباع الأردن نظاما اقتصاديا حرا واحترام للملكية الفردية وتحسين مستوى التعليم، أما الدول الجمهورية فهي التي ينتشر فيها الفساد المالي والإداري بصورة فاحشة، وتتسم بطابع أكثر شمولية واستبدادا، وهي التي تتميز بالديماغوجيا واللعب اللفظية والشعاراتية وخداع الشعوب وتأبيد الرئيس إلى درجة الملكية (الجملكيات: الجمهوريات الوراثية)، وربما الألوهية دون الإقرار رسميا بذلك، وهي التي تأخرت في الاستجابة لتحولات الربيع العربي، بينما كانت الدول الملكية الأسرع في فهم والتقاط الحدث التاريخي فتجنبت بذلك الوقوع في كوارث الجمهوريات العربية، التي صمَت الآذان عن كل دعوة إلى التغيير أو الإصلاح- إيقاف ربيع دمشق بالقوة 2000-2001 أكبر دليل على ذلك- كما أن الجهوريات تستخدم الأمن والعسكرة في كل تفاصيل حياة المواطن اليومية- التدخل في كل شاردة وواردة، من الرياضة انتهاء بالثقافة والتعليم وحتى حفلات الفرح والأعراس، وهي لا تعيش استقرارا في تقاليد الحكم كما في الدول الملكية، بل حالة من عدم الثقة والشك والريبة من أي حركة شعبية أو ثقافية أو عسكرية.

لقد شعرت الدول الجمهورية العربية بالغرور وانتابها جنون العظمة وتضخمت إمبراطورياتها إلى درجة اعتقادها بأنها أبدية بعد أن دمّرت البنية السياسية والفكرية لشعوبها، وبنت جيوشا جرارة لمهمّات غير مقدسة بأموال شعوبها وعلى حساب فقرهم وعوزهم وتنمية مجتمعاتهم، وعلى النقيض من شعاراتها المعلنة لشعوبها “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، “وحدة حرية اشتراكية”، “الامبريالية والصهيونية والرجعية”.. الخ، راحت تمارس قمعا فظيعا نادرا في التاريخ تحت هذه الشعارات واليافطات، وزجّت بالأحرار في غياهب السجون وعطلت المجتمع سياسة واقتصادا وثقافة وتكنولوجيا، ووصلت إلى حد التخمة الدكتاتورية، فكانت لقمة سائغة لتفجّر ثوري جاء ليحدث الاصطدام التاريخي الكبير بين أشرس الدكتاتوريات في العالم مع أقوى الثورات زخما شعبيا منبعثا من بركان زمني متطاول مزمن مديد، بتأثير كبير من القمع والفساد والاستبداد.


كاتب سوري

9