الجمهورية التركية الثانية نسخة طبق الأصل من الأولى

يبدو أن أردوغان يحاكي سلوك أتاتورك. وهو يرى تشابهات واضحة بين الظروف التي أحاطت بتأسيس جمهوريته وتلك التي كانت موجودة إبان تأسيس الجمهورية الأولى.
الثلاثاء 2018/08/07
في ظل أتاتورك

بعد مرور عام على إعلان جمعية الاتحاد والترقي الإصلاحية عن عصر المشروطية الثانية (الحقبة الدستورية الثانية) للدولة العثمانية في 23-24 يوليو عام 1908، مررت قانونا يدعو إلى إحياء الذكرى السنوية لذلك التاريخ ليكون “يوم الحرية”.

وبعد انهيار الدولة العثمانية ألغى مؤسسو الجمهورية التركية الجديدة إحياء ذكرى “يوم الحرية”، وفي عام 1935 أحلوا محله “يوم النصر” الذي وافق الثلاثين من أغسطس.

وأصبح 29 أكتوبر 1923، وهو اليوم الذي أعلن فيه البرلمان التركي الجمهورية –جمهورية مصطفى كمال أتاتورك الأولى– عيداً قومياً آخر في عام 1925. وما زال “يوم الجمهورية” عيداً رسمياً في البلاد.

 

تقترح هذه الدراسة الالتفات إلى خطط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الجيوسياسية لاستعادة مجد تركي أفل وبطريقة تتوافق مع الحاضر القلق والملتبس في المنطقة ويلخصها بالمباشرة لوضع المخاوف الأمنية في القلب من كيان الدولة، والميل إلى تأسيس نظام مركزي بيروقراطي ومستبد للدولة وحمايته. ليصل في النهاية إلى كمال أتاتورك سيكون حاضرا في كل قرارات أردوغان وإن أخذت سمات تتناسب مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي.

لكن ما هو اليوم الذي قد يصبح موعداً رسمياً للاحتفال بتأسيس الجمهورية التركية الثانية التي أسسها الرئيس رجب طيب أردوغان؟ قد يكون الرابع والعشرون من يونيو، وهو يوم الانتخابات التي أجريت في عام 2018 ومنحت أردوغان سلطات أوسع كثيرا؛ أو السابع من يوليو، وهو يوم افتتاح البرلمان في الجمهورية الثانية؛ أو التاسع من يوليو، يوم أداء أردوغان اليمين أمام البرلمان؛ أو الخامس عشر من يوليو، يوم محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي وقعت في عام 2016. والمرشح الأقوى هو 15 يوليو. وسؤالي هنا هو: هل علينا أن ننتظر حتى عام 2022 عندما يحل هذا التاريخ للمرة الأولى يوم الجمعة؟

والرموز تهم؛ فالثالث والعشرون من أبريل عام 1920، وهو اليوم الذي انعقد فيه مجلس الأمة الأول للجمهورية الأولى، كان يوم جمعة. بدأت الجلسة الأولى بعد صلاة الظهر في مسجد حاجي بيرم بأنقرة. وقد كان يوم الثالث عشر من يوليو 2018 أيضا يوم جمعة. وعقد أردوغان أول اجتماع رسمي لمجلس وزراء الجمهورية الثانية في ذلك اليوم بعد صلاة الظهر في مسجد حاجي بيرم أيضا. وقد عُقد الاجتماع وأُجريت المراسم في برلمان الجمهورية الأولى، وهو المكان الذي ألقى فيه أتاتورك مؤسس تركيا خطابه الشهير، خطاب النطق، في عام 1927.

التمزق والاستمرار

ألقى أردوغان خطاباً خلال الحفل حوى رسالة مثيرة بشأن “التمزق والاستمرار” بالجمهورية الأولى قائلا إن “تحت هذه القبة المباركة، نخطو الخطوة الأولى في هذا التحول التاريخي”.

كل هذا في رأيي ليس وليد الصدفة، وأعتقد أن أردوغان درس حياة أتاتورك وأفعاله عن كثب.

وأكرر أن الرموز لها أهمية. فيبدو أن أردوغان يحاكي سلوك أتاتورك. وهو يرى تشابهات واضحة بين الظروف التي أحاطت بتأسيس جمهوريته وتلك التي كانت موجودة إبان تأسيس الجمهورية الأولى. وبطبيعة الحال فإنه يحب أن تكون تفاصيل حكمه مشابهة لتلك التي كانت موجودة في الحقبة الأتاتوركية.

وهو ليس مخطئا بالكلية، إذ أن الظروف في منطقتنا، الشرق الأوسط، تتشابه إلى حد ما مع تلك التي كانت موجودة في الفترة من عام 1918 إلى 1923. فالشرق الأوسط يبدو اليوم إلى حد كبير في وضع مثل مرحلة حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى، من حيث تصارع القوى الكبرى من أجل السيطرة والنفوذ في مختلف أنحاء المنطقة –وخاصة للسيطرة على موارد الطاقة– وكيفية إيجاد القوى المحلية موضعا لها بين القوى الكبرى المختلفة.

فمن ناحية هناك روسيا بوتين –التي يقابلها البلاشفة في عام 1918– وتركيا أردوغان، التي يقابلها أتاتورك في ذلك الوقت. وفي الجانب الآخر هناك الكتلة الغربية التي تقودها الولايات المتحدة، والتي كانت تقابلها في ذلك الوقت بريطانيا وفرنسا، بينما يلعب أكراد سوريا حاليا دور الأرمن القوقازيين في حقبة ما بعد الحرب.

وأنا لا أسعى هنا إلى أن أُثبت أوجه الشبه بين الحقبتين؛ لكنني أحاول ببساطة التأكيد على الحاجة إلى التفكير في ماضينا في الوقت الذي نحاول فيه أن نفهم حاضرنا.

ويمكننا حتى أن نمضي بالمقارنة بين الحقبتين خطوة إلى الأمام؛ فليست ظروف هاتين الحقبتين وحدها هي التي تتشابه، ولكن أيضا الطريقة التي يفسر بها مؤسسو الجمهوريتين الأولى والثانية الملابسات، ويحددون بها المشكلات السياسية ويضعون الحلول لتلك العقبات تعد انعكاسا لبعضها البعض.

صعوبات جمهورية أردوغان

واجهت الجمهورية الأولى صعوبات في بناء بلد قابل للاستمرار على أنقاض الدولة العثمانية المنهارة خلال محاولتها فعل ذلك والبحث عن الكيفية التي تمكنها من تحقيق هذا الأمر، وهو ما ينطبق أيضا على الجمهورية الثانية. أيضا تدور جميع الحلول تقريبا في فلك الرغبة في الوصول إلى مصاف الدول ذات النفوذ في المنطقة من ناحية والخوف الذي لا يزول من التفسخ والتشرذم. وقد ظل هذا الاستقطاب في الرؤية للعالم سمة ثابتة للسياسة الخارجية التركية على مدى فترة وجودها الممتدة لقرن من الزمن.

ولهذا السبب كان ساسة الحقبتين يميلون إلى وضع المخاوف الأمنية في القلب من قرارات السياسة الداخلية والخارجية. فهم يميلون إلى رؤية جميع التحديات من خلال مرشِّح التهديدات القادمة من “الخونة في الداخل والخارج”، ومن ثم يستندون في جميع القرارات السياسية إلى هدف إزاحة هذا التهديد.

ويتجلى التشابه الأكثر وضوحاً بين هاتين الحقبتين في السياسة التركية ذات الصلة بسوريا. فلم تكن سياسات الجمهورية الأتاتوركية الأولى في ما يتعلق بالشأن السوري مختلفة كثيرا عن النهج الذي تتبعه الحكومة الحالية؛ بل على العكس، هناك أوجه شبه كبيرة؛ وفي ما يتعلق بالجمهورية الأولى، ظلت مسألة حدود البلاد دون حلٍ أو ترسيخ كامل.

وسبق وأن قال أتاتورك “سنرسم حدودنا بما يخدم مصالحنا قدر الإمكان؛ تلك الحدود ستقررها قوتنا وإرادتنا”، وهي عبارة ما زالت معروفة جدا لدى الرأي العام التركي.

والكثير من الناس لا يعرفون أنه بعيدا عن هذا الوصف المبهم لحدود تركيا، فإن زعماء أتراكاً أكدوا أن مدن حلب ودير الزور كانت تقع داخل الحدود الوطنية لتركيا. وقد عمل أتاتورك جاهداً من أجل تشكيل اتحاد أو كونفيدرالية مع سوريا.

ونفذت الجمهورية التركية الجديدة بزعامة أتاتورك عدداً من الأنشطة السياسية والعسكرية، كان من بينها تأسيس منظمات سرية والاحتفاظ بها داخل سوريا والعراق خلال عامي 1919 و1920، وكان ذلك كله على خلفية هذا الفهم للحدود الوطنية. جدير بالذكر هنا أن أتاتورك أطلق التصريحات بشأن دير الزور بعد أن وقعت تركيا اتفاقاً مع فرنسا في أكتوبر عام 1921 وانسحبت من سوريا.

ومؤسسو الجمهورية الثانية على دراية جيدة بسياسات الجمهورية الأولى في ما يتعلق بالشرق الأوسط. وقد فتحوا من جديد المناقشات بشأن معاهدة لوزان المبرمة في عام 1923، والتي وضعت حدود تركيا، لهذا السبب فقط. وتحاكي قيادة الجمهورية الثانية سياسات مؤسسي الجمهورية الأولى وعينها على إمكانية توسيع الحدود الوطنية للبلاد.

ودعوني أكرر نظريتي: لقد درس أردوغان عن كثب وبعناية شديدة بناء الجمهورية الأولى، وهو يخطو خطوات محسوبة بناء على هذا. ومن ثم فإن انتقاد المعارضة لإدارة أردوغان في الوقت الذي تتجاهل فيه أوجه الشبه بين سياسات الجمهوريتين الأولى والثانية يعد جهلاً وسذاجة سياسية في الوقت ذاته.

وإذا فشلنا في إدراك أوجه التشابه مع الفترة الممتدة من عام 1918 إلى عام 1923، أو في الوعي بأن زعماء البلاد الحاليين يفطنون إلى هذه الأمور على هذا النحو، فسنسقط في الفخ الذي وقع فيه الكثير من الجماعات اليسارية والديمقراطية والعلمانية التقدمية والليبرالية ولن تكون لدينا رؤية سياسية تتجاوز النهج الذي تتبناه باريس وبرلين تجاه المنطقة.

اليوم يريد أن يكون كالأمس
اليوم يريد أن يكون كالأمس

ويجب أن تدرك جماعات المعارضة أن التهليل لكل هجوم من الدول الغربية على انتهاكات أردوغان لحقوق الإنسان والديمقراطية ينذر أيضاً بأن يجعلها تبدو كامتداد للإمبريالية الليبرالية الغربية في المنطقة. ودعوني أذكِّر بقاعدة مقبولة على نطاق واسع في العلاقات الدولية، وهي أن زعماء الدول الديمقراطية يكذبون أكثر من الطغاة الدكتاتوريين.

يمكننا أن نلاحظ الشق الآخر، وهو الرغبة –أو حتى الشعور بالاستحقاق– في الاضطلاع بدور مؤثر في المنطقة، والمصحوبة بخوف مستمر من التمزق والتشرذم على يد أعداء من الداخل والخارج. ومن بين النتائج المباشرة لوضع المخاوف الأمنية في القلب من كيان الدولة، الميل إلى تأسيس نظام مركزي بيروقراطي ومستبد للدولة وحمايته.

تشريع الديكتاتورية

ومن بين أوجه انتقاد أردوغان الأساسية هو أنه يحاول أن يؤسس دكتاتورية وأنه يريد إدارة التفاصيل الدقيقة لكل قرارات الدولة. لكن على الرغم من ذلك فإن أردوغان لا يعدو كونه معيداً لبناء الفلسفة التي تأسست عليها الجمهورية الأولى ويحافظ عليها.

دعونا نضع جانبا حقيقة أن زعماء حزب الشعب الجمهوري الذي كان يحكم البلاد في عشرينات القرن الماضي كانوا يريدون للجمهورية الأولى أن تكون على غرار الفاشية الإيطالية، أو أن تركيا كان لديها نظام الحزب الواحد حتى أواخر أربعينات القرن الماضي وأن أتاتورك كان ينتقي بنفسه كل من يمثلها. ولنكتفي بدلا من ذلك بقراءة افتتاحية صحيفة الحزب جمهورييت بتاريخ الثالث من نوفمبر 1930، والتي جاء فيها ما يلي: بعض ممثلي مجلس الأمة التركي الذين ما زالوا يعيشون في الماضي نظروا إلى
الدولة والأمة على أنهما كيانان منفصلان. لا يمكن للبلاد أن تتقدم بهذه الفكرة العتيقة البالية.

وهناك انتقاد آخر كبير يوجَّه إلى أردوغان، وهو أنه بتعزيزه لسلطاته التشريعية والتنفيذية والقضائية أضعف التقاليد البيروقراطية التركية. ووفقا لهذا الانتقاد فإن أردوغان قلص الروتين بين الحزب والدولة من خلال تحويل مؤسسات الدولة إلى أجهزة تابعة لحزبه.

ومن جديد، فإن أردوغان يعيد ببساطة الفلسفة الأصلية للجمهورية الأولى. ودعونا نذكّر بمثال شهير؛ وفقا لقانون جرى تمريره في 18 يونيو عام 1936، صار وزير الداخلية التركي أميناً عاماً لحزب الشعب الجمهوري الحاكم في عهد أتاتورك. كما صار المحافظون قادة محليين لحزب الشعب الجمهوري. وبذلك القرار، أصبح من غير الممكن التمييز بين الدولة وحزب الشعب الجمهوري، الذي كان الحزب الوحيد القانوني في البلاد.

وبموجب المادة التاسعة من قانون (تنظيم) المسؤولين الذي كان سارياً في ذلك الوقت، لم يكن مسموحاً لموظفي العموم بأن يكونوا أعضاء في أحزاب سياسية. وقد لاحظ حلمي أورات نائب وزير الداخلية في ذلك الوقت هذا التناقض وشكل لجنةً لتعديل القانون. وأُبلغ أتاتورك بتلك المشكلة.

وفي مذكراته يقول أوران: قرأ أتاتورك المادة، وبعد القليل من التفكير قال “لا أرى حاجة إلى تعديل هذه المادة لأن الغرض منها هو أن تنص على أن موظفي العموم لا يمكنهم الانضمام إلى عضوية جمعيات سياسية سوى حزبي، وأعتقد أن هذه المادة مفيدة ومن ثم لا يجب تعديلها”.

ومن الممكن الإشارة إلى المزيد من أوجه الشبه بين الجمهوريتين الأولى والثانية؛ يمكن ذلك من واقع سلوكهما تجاه الحريات الشخصية وصولاً إلى السيطرة على القضاء، ومن واقع هدفهما المشترك المتمثل في تأسيس “مجتمع أخلاقي” على أساس المبادئ التي تنشأ عليها الأجيال في المستقبل. وهذه مهمة من الأفضل تركها إلى الأكاديميين الأتراك المتخصصين. والأمر الذي هناك حاجة لأن يحدث هو نقل تلك الدراسات إلى النقاش السياسي، وسأدعو أكاديميين واسعي الاطلاع على مثل هذه الأمور لكتابة مقالات رأي للجماهير.

في الوقت ذاته، ومن دون خوض في تفاصيل، فإننا لا يمكننا أن نعارض الجمهورية الثانية بينما ندافع عن الجمهورية الأولى. وعلى من يتمنون مقاومة جمهورية أردوغان الثانية أن ينظروا أولاً نظرة عميقة إلى الجمهورية الأولى، وأن يستخدموا هذه المعرفة ليحاربوا بها من أجل جمهورية ثالثة أكثر ديمقراطية، وإلا سيضفون فقط الشرعية على النظام الحالي ويدعمونه.

إن الجمهوريتين الأولى والثانية تمثلان استجابات متشابهة لتفكك الدولة العثمانية. وفي حقيقة الأمر هناك القليل من الاختلاف بينهما. وعلى من يريدون تأسيس الجمهورية الثالثة أن يكونوا قادرين على أن يُظهروا قدراً من الجلَد السياسي والرغبة في انتقاد الاثنين.

هذه دعوة إلى استدعاء صادق للماضي ولمواجهة الجمهوريتين.

ولا يجب أن تُفسَّر هذه الدعوة على أنها دعوة إلى تجاهل الإنجازات الديمقراطية التي تحققت في القرن الماضي أو التقليل من شأنها؛ ولكنها دعوة إلى التصدي للمشكلات التي تواجهها تركيا اليوم –في جميع أركان المجتمع التركي– من منظور القرن الفارط.

وما أقترحه هنا هو مراجعة جوهرية لنهجنا في فهم ماضينا. لكننا بحاجة أولا إلى أن نعيد تعريف سياستنا وفلسفتنا، ولا حاجة للتعجل في هذا الأمر.

12