الجمهور البريطاني أكثر اعتدالا من صحف بلاده

يرى البريطانيون أن صحافة بلادهم منحازة بشكل واضح تجاه اليمين مقارنة ببقية دول القارة العجوز، وهو ما برز بوضوح في العديد من القضايا، أهمها مسألة البقاء في الاتحاد الأوروبي وقضية الهجرة.
الأربعاء 2016/02/10
نسخ مكررة!

لندن- يعلو صوت الأحزاب اليمينية في وسائل الإعلام الغربية عموما خلال هذه الفترة، لكن تأثيرها ظل متفاوتا بين دول القارة العجوز، وخصوصا تلك التي تتمتع بتاريخ عريق في حرية الصحافة.

وبلمحة سريعة حول الصحف البريطانية، يظهر ميلها اليميني واضحا من خلال الضغوط التي تمارسها باتجاه الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.

ويبدو أن الجمهور البريطاني أكثر اعتدالا من صحف بلاده، إذ اعتبر أنها الأكثر ميلا إلى اليمين والأكثر تحيّزا في كامل القارة الأوروبية، بحسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة “يوغوف البحثية”.

وكشف الاستطلاع أن 26 بالمئة من البريطانيين اعتبروا أن الصحف والتلفزيون والراديو في بريطانيا “يمينية جدا”، بينما اعتبر 17 بالمئة أنها ذات توجه يساري بحت. وفاق هذا التحيز اليميني ذلك الذي تشهده كل من فرنسا وألمانيا والسويد والنرويج والدنمارك وفنلندا.

وأوضحت مؤسسة يوغوف “يتضح أن هناك نظرة إلى وسائل الإعلام البريطانية على أنها منحازة إلى اليمين في جميع المجالات، وخاصة في المجال الاقتصادي”. وطرح الاستطلاع على المواطنين خمسة مواضيع، طالبا منهم إبداء رأيهم في أداء إعلام بلادهم تجاهها، وتحديد إذا ما كان يميل إلى اليمين أو اليسار أو التوازن والاعتدال. وشملت اللائحة الهجرة، والإسكان، والصحة، والاقتصاد، والجريمة.

ضغطت وسائل الإعلام بشكل منحاز في قضية الهجرة، التي تشغل الجميع في الاتحاد الأوروبي، تبيّن أن 34 بالمئة من الجمهور البريطاني يرى أن تعامل الصحافة سلبي جدا مع قضية الهجرة، في حين يرى 25 بالمئة أن تعاملها متزن، ويرى 24 بالمئة أن تعاملها مع هذه القضية إيجابي للغاية.

الموجة اليمينية الغالبة في وسائل الإعلام البريطانية استطاعت أن تؤثر على اتجاه الجمهور

وهذه النتيجة لم تفاجئ كاتبي صحيفة الغارديان البريطانية مارتن كيتلي الذي اعتبر أن التغطية الصحافية المناهضة لأوروبا تتسم بـ”الكذب”، في حين يرى بولي توينبي أنه لا يجب أن “تدعوا المتسلطين في الصحافة اليمينية يتسببون في خروجنا من الاتحاد الأوروبي”.

كما بدا الانحياز للرأي الواحد واضحا في افتتاحيات الصحف التي دعت إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبعضها هاجم رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بخصوص مسألة إعادة التفاوض، وهو ما كرس وجهة نظر واحدة في النشرات الإخبارية تقوم أساسا على الانحياز لرأي دون آخر. ودعمت هذه الفكرة الصحف الصادرة مؤخرا المليئة بمواد متعلقة بالاتحاد الأوروبي، بما في ذلك العديد من المقالات الإخبارية والتعليقات التي تروج معظمها إلى تفاصيل عن انشقاقات داخل حزب المحافظين.

فأفردت صحيفة ديلي تلغراف، الاثنين الماضي، مساحة واسعة من صفحتها الرئيسية لقصة تحت عنوان “رئيس الوزراء: سوف يتم خروج بريطانيا من ‘الغابة’ إلى ‘كنت’ (وهي مقاطعة تقع في جنوب شرق إنكلترا)”. وفي داخل الصحيفة ورد عمود لبوريس هاجم فيه محكمة العدل الأوروبية، وعمود آخر للكاتب تشارلز مور يفكر من خلاله بكيفية تصويت رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر في الاستفتاء.

وكتب مور هذا المقال كرد على مقال آخر نشر في صحيفة سانداي تايمز تحت عنوان “تاتشر سوف تصوت بنعم على الاتحاد الأوروبي”. ومن جهتها أفردت صحيفة ديلي ميل صفحة كاملة للموضوع بالإضافة إلى افتتاحية تحتقر مفهوم “وقوع تاتشر ضحية هذا التلاعب”.

بدورها تلقفت صحيفة ديلي إكسبرس، ماجاء في صحيفة نيويورك تايمز حين سلطت الضوء على إشارة النائب ديفيد ديفيس عن حزب المحافظين إلى أن خطة كاميرون بشأن مزايا المهاجرين سوف تثير “موجة جديدة من الهجرة”. ودعمتها ديلي إكسبرس بمقال في الصفحة الأولى تحت عنوان “لا يمكننا التصدي للموجة الجديدة من المهاجرين”. وفي مقال في صحيفة “ذي صن” بعنوان “المهاجر هو السيد الكبير الظاهر”، يتحدث عن نتيجة التحقيق الذي كشف أنشطة عصابة أفغانية لتهريب المهاجرين إلى بريطانيا.

مارتن كيتلي: التغطية في الصحافة البريطانية المناهضة لأوروبا تتسم بـ"الكذب"

تظهر هذه المقالات اتجاه الصحف البريطانية لمساندة طرف على حساب آخر، خاصة إذا ما تم النظر إليه في سياق الارتياب الأوروبي من الهجرة، وكذلك من خلال تغطية وسائل الإعلام اليمينية المعادية للاتحاد الأوروبي عموما. ولا يمكن تجاهل أن وسائل الإعلام البريطانية تحاول التأثير على الجمهور، تبعا لميولها في الاستفتاء حول بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي من عدمه.

وتطرح صحيفة الغارديان سؤالا “هل حقا أن الصحف الوطنية لا تريد مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي؟ ، وترى أن من الواضح أن البعض لا يرغب في ذلك مثل (الغارديان، الإندبندنت، فاينانشال تايمز، ديلي ميرور). فمن الواضح أن “اكسبرس” تريد ذلك وتعبّر عن رأيها بوضوح، وأخرى تقدم كل الآراء والدلائل التي تشير إلى ذلك أيضا (ديلي ميل). ويبدو موقف التلغراف والتايمز وذي صن أقل وضوحا.

ولم يعلن محرروها حتى الآن كيف سينصحون الجمهور بالتصويت في الاستفتاء المقبل. لكن بعد سنوات من نقد هذه الصحف للاتحاد الأوروبي يمكن للمتابع أن يدرك أنها سوف تحث القراء على التصويت بـ”لا”.

وتقول الغارديان، هل يمكن للمحررين تخيل ماذا سيحصل في حال تم ضرب وحدة الاتحاد الأوروبي ومغادرة بريطانيا للكتلة؟ على الناس أن يفكروا ويأخذوا كل شيء في الاعتبار، ينبغي إعادة النظر في النقاط الجيدة في خطة كاميرون والتفكير مليا في المستقبل، والتساؤل مرة أخرى عن المخاطر الاقتصادية، وقبول ذلك رغم أن الوضعية ليست مثالية إلا أنها أفضل مما يمكن توقعه، لذا يرجى التصويت بـ”نعم”.

لكن الموجة اليمينية الغالبة في وسائل الإعلام البريطانية استطاعت أن تؤثر على اتجاه الجمهور، فبعد فترة من انتقادات مكثفة لمبادرة كاميرون الإصلاحية، كشفت التايمز في صفحتها الأولى الجمعة الماضي نقلا عن أن استطلاع مؤسسة يوغوف أن 44 بالمائة من البريطانيين سوف يصوتون لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي بالمقارنة مع 36 بالمئة يرغبون في البقاء بالاتحاد.

وحتى مع ذلك، فإن النية ما تزال غير واضحة. وقد اعتمدت بعض وسائل الإعلام التابعة للملياردير روبرت مردوخ التشكيك تجاه الاتحاد الأوروبي، وبالمثل سارت صحيفة ذي صن في نفس النهج.

18