الجمهور المتعطش للأخبار المستقلة مستعد لدفع ثمنها

حققت العديد من التجارب الصحافية المدفوعة على الإنترنت نجاحا في مختلف المناطق حول العالم بسبب اتجاه المؤسسات الإعلامية نحو تبني نهج أكثر استقلالية بعيدا عن الانحيازات السياسية أو التجارية، غايتها في ذلك كسب ثقة الجمهور الذي يبحث عن محتوى رقمي عالي الجودة.
الجمعة 2017/06/02
المحتوى الرقمي ينقذ الصحف

واشنطن – أحيت مشاريع صحافية حديثة في المجال الرقمي التفاؤل بانتعاش الصناعة التي جزم الكثيرون باحتضارها وفقدوا الأمل في استمراريتها في ظل استحواذ عمالقة الإنترنت على الحصة الأكبر من إيرادات السوق.

ويؤكد الصحافي جيمس برينر، أنه خلافا لجميع التوقعات بعدم رغبة الجمهور في دفع ثمن الأخبار عندما تكون متاحة على الإنترنت مجانا، فإن المزيد من الناشرين ذوي التقارير عالية الجودة والمتعمقة يحققون المال، وفق تقرير نقله موقع الصحافيين الدوليين.

واستشهد برينر، وهو زميل سابق في مركز الصحافيين الدوليين الذي أطلق وأصدر مركز الصحافة الرقمية في جامعة غوادالاخارا، بأحدث مثال يأتي من سلوفاكيا، فقد اكتشف محررو صحيفة وطنية شعبية أن منظمة إخبارية مشبوهة باتهامات فساد كانت على وشك شراء حصة كبيرة في صحيفتهم.

وأفاد روب شارب في مختبر نيمان “لقد جذبت هذه الصحيفة مليون يورو من الاستثمارات الخاصة والاشتراكات المتقدمة بنحو 300 ألف يورو”. وأطلقت الصحيفة الموقع الإلكتروني اليومي في يناير 2015، ثم بدأت في الإصدارات المطبوعة بعد ذلك بوقت قصير. والآن وبعد أكثر من عامين بقليل فإن الموقع يعد من بين أفضل خمسة مواقع صحافية عالية الجودة في سلوفاكيا.

وفي بلد يبلغ عدد سكانه 5.4 مليون نسمة تضم الورقة 23 ألف مشترك في خدمة الدفع الرقمي بين 110 آلاف من القراء المسجلين. وتوقع المحرر ماتوس كوستولني والفريق المساعد له البدء في إصدار نشرة إخبارية مستقلة على الإنترنت.

ويعتبر هذا المثال نموذجا لتجارب عديدة حول العالم تبرز الاتجاه المتزايد للمشاريع الصحافية بالاعتماد على القراء بدلا من المعلنين لدعم الصحافة المستقلة عن النفوذ السياسي والتجاري. ويشير مختبر نيمان أيضا إلى بدء تشغيل مستقل للأخبار في الجمهورية التشيكية.

وقدم برينر ورقة بحث حديثة بعنوان “رأس المال الاجتماعي لإنقاذ المنطقة الرابعة” نشرت في صحيفة “ميديابارت” الفرنسية و”دي مراسل” الهولندية و”إلدياريوو إس″ الإسبانية.

جيمس برينر: الاتجاه متزايد لدعم الصحافة المستقلة عن النفوذ السياسي والتجاري

وتحدثت ورقة البحث عن ثمانية أمثلة من المؤسسات الإعلامية، وتشير جميعها إلى أن هناك عطشا للأخبار المستقلة على الإنترنت، وأن الجمهور على استعداد لدفع ثمنها. ففي كوبا على سبيل المثال، تتلمس الأخبار المستقلة طريقها للمضي قدما في العالم الرقمي، فحوالي ربع السكان فقط لديهم إمكانية الوصول إلى الإنترنت. وقد نشر المستشار الإعلامي الإسباني بروديجيوسو فولكان مؤخرا خطة عمل استراتيجية (بالإسبانية) وضعت من أجل الموقع الكوبي للأنباء الكوبية إل دياريو دي كوبا.

وتقوم المنظمة الإخبارية الكوبية بوضع نموذج للأعمال التجارية يخدم سكان الجزيرة والكوبيين المقيمين في الخارج على حد سواء، على أمل أن تتدفق المعلومات بحرية أكبر في المستقبل.

ويتضمن النموذج الذي أوصى به فريق فولكان مجموعة من قنوات التوزيع لاستهلاك الجزر التي تتجنب الرقابة والنشرات الإخبارية بالبريد الإلكتروني والأخبار بصيغة بي.دي.إف والبودكاست وتوزيع السوق السوداء مع التركيز على توزيع وسائل الإعلام الاجتماعية للجمهور في الولايات المتحدة.

ومؤخرا دشنت مجلة “شبيغل” الألمانية الأسبوعية وموقعها الإلكتروني الإخباري “شبيغل أونلاين” صحيفة يومية إلكترونية تحمل اسم “شبيغل دايلي”.

وأعلن رؤساء تحرير مؤسسة شبيغل أنه سيكون ممكنا الاطلاع على الصحيفة التي تستلزم دفع رسوم للحصول عليها. ويعرض الإصدار أهم أخبار اليوم مع التعليقات بشكل يومي ويجمع أيضا ملخصا لمناقشات تدور في مواقع التواصل الاجتماعي. ويمكن الحصول على الإصدار الرقمي لشبيغل مقابل 6.99 يورو شهريا، فيما تبلغ التكلفة الأسبوعية 2.49، وبالنسبة إلى من هو مشترك في كل منتجات شبيغل، سوف يحصل على الإصدار الرقمي مجانا أو مقابل تكلفة إضافية محدودة.

ويتولى الإدارة التحريرية للصحيفة كل من تيمو لوكوشات وأوليفر ترنكامب. وقال كلاوس برينكباومر رئيس تحرير مجلة شبيغل، إن صحيفة “شبيغل دايلي” الإلكترونية تعد مشروعا مشتركا لإدارات تحرير المجلة وللموقع الإلكتروني.

ويشار إلى أن البداية لمشروع المحتوى الرقمي المدفوع كانت حذرة بالنسبة إلى الناشرين، حيث رفض معظمهم أن يتخذوا الخطوة الأولى، خوفا من أن تكون صحيفتهم الوحيدة التي تتقاضى مقابلا ماديا، فيقوم القراء باستبدالها بصحف أخرى على الإنترنت، التي كانت شبكة وليدة وقتها.

لكن مع التدهور الكبير في إيرادات الإعلانات اضطرت بعض الصحف إلى خوض المغامرة، وبدأت صحيفة وول ستريت في يناير 1997 في تقاضي 50 دولارا في السنة مقابل الدخول إلى محتواها المنشور رقميـا، وبهذا أصبحت أول صحيفة رئيسية في الولايات المتحدة الأميركية تطبق نظام الاشتراك الرقمي.

لكن الصحف الأخرى ترددت في اللحاق بها نظرا لعوامل محددة ساعدت وول ستريت باعتبارها صحيفة اقتصادية وباعتبار محتواها ضروريا جدا لإعلانات الوظائف وفرص الاستثمار والربح على عكس أغلب الصحف المحلية، بالإضافة إلى أن الكثير من الاشتراكات دفعت من قبل مؤسسات الأعمال نيابة عن موظفيها.

وتمثل حاليا صحيفة نيويورك تايمز النموذج الأبرز فيما يتعلق بالمحتوى الإلكتروني المدفوع، رغم بدايتها المتأخرة والمتعثرة في عام 2005، فبين 2005 و2007 استطاعت فقط أن تقنع 2 بالمئة من المستخدمين بالدفع مقابل المحتوى، وهو يساوي 227 ألف مشترك فقط، بينما كان المحتوى المجاني يجذب 13 مليون زائر غير تقليدي على مدار الشهر طبقا لموقع نيلسون لتقييمات الإعلام الرقمي.

ولكنها استطاعت أن تسدّ الفجوة وتبنت سياسة الاشتراكات للمحتوى الإخباري على المواقع الإلكترونية كواحد من مصادر الدخل لتنشيط مبيعاتها.

ولجأت مؤسسات صحافية أخرى إلى تقديم محتواها الإلكتروني الكامل للجمهور باشتراكات شهرية أو بتخصيص جزء فقط من المحتوى الرقمي ليكون محتوى مدفوع الأجر.

18