الجمهور على "درب السما" في سبع محافظات سورية

جود سعيد: بالفن السابع نُصحّح حياة الناس ونُبلسم جراحهم.
الاثنين 2021/07/05
دروب الحياة معبّدة بالأمل رغم عمق الجراح

ما يزال للسينما حضورها القوي لدى الجمهور السوري، فرغم انحسار عدد الصالات في كل المدن وطغيان شبكات النت والتواصل الاجتماعي وعزوف الناس عن التواصل مع الفن السابع في شكله التقليدي، إلاّ أن شريحة هامة من الشباب ما زالت تهتم بحضور السينما في الصالات. وما يؤكّد هذا الحضور الجولات التي ما انفكت تقوم بها المؤسسة العامة للسينما بسوريا ضمن استراتيجيتها لترسيخ هذا التفاعل الحضاري مع الجمهور العريض، كما هو الحال مع فيلمها الأخير “درب السما” الذي عٌرض في سبع محافظات سورية.

دمشق - كان جمهور المحافظات السورية على موعد مع عرض فيلم "درب السما" وهو من إنتاج المؤسسة العامة للسينما وإخراج جود سعيد وبطولة أيمن زيدان عن نص تعاون على كتابته كل من جود سعيد وأيمن زيدان وسماح القتال ورامي كوسا. وعرض أولا في مدينة اللاذقية ثم طرطوس فحمص وحماة، كما عرض في محافظات حلب والحسكة ودير الزور، ولأول مرة تمّ عرضه في أرياف عدد من هذه المحافظات وزاد عدد الأماكن التي عرض فيها عن العشرين مدينة.

و"درب السما" هو الفيلم الأحدث للمخرج جود سعيد الذي يقدّم فيه مقاربة سينمائية جديدة لموضوعة الحرب في سوريا من خلال حياة الشخصية الرئيسة فيه الأستاذ زياد (أيمن زيدان)، مدرس اللغة العربية الذي يغادر حيه الذي عاش فيه طويلا بعد خسائر روحية ونفسية كبيرة، فيذهب ليعيش في قريته التي ولد ونشأ فيها، ويضطر لمحاربة قوى الشرّ وأولها أقرب المقربين إليه، شقيقه التاجر الفاسد. كما يقدّم العمل تلوينات في شخصياته مستعرضا آمال بعضها التي تلاحق أحلامها في مشاريع سفر للعلاج.

والفيلم من إنتاج المؤسسة العامة للسينما وبمساهمة من “آدامز بروداكشن” عن سيناريو لجود سعيد وأيمن زيدان وسماح القتال ورامي كوسا، وإخراج جود سعيد، وتمثيل كل من أيمن زيدان وصفاء سلطان ومحمد الأحمد وجابر جوخدار وجرجس جبارة وحسين عباس وربى الحلبي وحسن دوبا ونور علي ومرح حسن ورسل الحسين.

بين حزن وأمل

جود سعيد: وحدها السينما قادرة على تغيير قناعات الناس ورؤاهم للحياة والفن
جود سعيد: وحدها السينما قادرة على تغيير قناعات الناس ورؤاهم للحياة والفن

مثّل مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط أول حضور جماهيري للفيلم على المستوى العربي، وحصل فيه على ثلاث جوائز في مسابقة الفيلم العربي (نور الشريف) هي: أفضل فيلم، أفضل سيناريو وأفضل ممثل. ثم عرض لاحقا في دمشق في افتتاح رسمي.

وتغلب على أجوائه مساحات كثيفة من الحزن، وهو الذي عصفت بأحداثه فجائع إنسانية وصلت حد الشنق لعاشقين، لكن الأمل لم يختف، فظهر في مساراته بصور شتى، وهذا ما جعل فهم الناس وتفاعلهم معه ينوس في هذين الحدين، فبعض ممّن شاهد الفيلم رأى فيه جرعة مضاعفة من الحزن الذي عايشوه في سنوات الحرب، بينما وجد فيه آخرون نافذة نحو غد تعيش فيه أحلامهم شغف انتظار حلم جميل ربما يأتي.

ومن مدينة حمص تقول طالبة جامعية عن الفيلم “هو محاولة جدية للتأكيد على أن الحياة في هذه المدينة ستبقى دائما ولن تغيّبها سنوات الحرب والعنف، فمدينة بتاريخ حمص وعمقها التاريخي الكبير ستتغلب حتما على الآلام التي أوجدتها الحرب”.

بينما رأت زميلتها أنه فيلم حزين يعزّز قيمة الضعف والإحساس بالفجيعة عندما يتذكّر الإنسان أن هزائمه وخساراته الإنسانية في الحرب غير قابلة للنسيان، وأن الحرب هي سلوك خشن غير إنساني يحوّل حياة المدن إلى فوضى وركام من الآدميين.

ومن حلب ارتحل الفيلم إلى مدينة اللاذقية، حيث كان الحضور الجماهيري كثيفا بالمدينة الساحلية، حيث تابع الجمهور باهتمام كبير أحداث الفيلم الذي حضر حفل إطلاقه فيها مخرج العمل جود سعيد وكل من الفنان جرجس جبارة وحسين عباس.

جرجس جبارة: الجمهور كان بطل "درب السما" في العديد من العروض الحية
جرجس جبارة: الجمهور كان بطل "درب السما" في العديد من العروض الحية

وعن العرض قال سعيد “متفائل وفرح بحجم الحضور الذي واكب إطلاق الفيلم باللاذقية، وسعيد بأن صالة السينما الوحيدة في المدينة عادت للعرض، فهذه المدينة التي يقيم فيها الملايين من الأشخاص يجب أن يكون فيها العديد من الصالات السينمائية، ولكن للأسف لا يوجد إلاّ صالة واحدة”.

ويسترسل “عرض الفيلم بهذه الشرطية من حيث الازدحام والحر وتمسّك الجمهور بالحضور يثبتان بأننا شعب حي يتعاطى مع الفن بروح مثابرة. هذه العروض كانت مبرمجة منذ عام لكن ظروف جائحة كورونا عطلتنا”.

ويضيف سعيد متحدّثا عن ضرورة فن السينما “وحدها السينما قادرة على الوصول إلى الناس بالشكل الأمثل، فتغيّر قناعاتهم ورؤاهم للحياة والفن على السواء، ونحن بحاجة في هذا التوقيت بالذات إلى السينما لكي نقدّم أفكارا جديدة تعالج الإنسان من الناحية النفسية خاصة، والتي بات يعاني منها بسبب الظروف الاقتصادية الخانقة التي تحيط به، فالسينما تجعل صحة الناس الجمعية بحال أفضل”.

أما الفنان جرجس جبارة ابن مدينة اللاذقية، فقال عن عرض الفيلم “فوجئت بحجم الجمهور الكبير الذي أتى ليكون مع صناع الحفل ويتابع باهتمام كل دقائقه، بل وليكون بطل العمل أصلا، والفيلم خطوة جديدة في تاريخ السينما السورية، وأتمنى أن نكون قد وفقنا في تقديم ما هو جدير باهتمام جمهور الفن السابع، خاصة الشباب منهم”.

أما الفنان حسين عباس فقال “ما يبهج هو عدد الجمهور الكبير الذي حضر عروض الفيلم بكل المحافظات السورية”، أما عن دوره فيقول “أقدّم في الفيلم شخصية مختلفة، شريرة، تصطدم مع أخيها وتحاول أن تجرّه إلى مصير مجهول”.

سينما حديثة

تطوير الحالة السينمائية أحد الأهداف التي تسعى المؤسسة العامة للسينما في سوريا لتحقيقها، ولأجل الوصول إلى هذا الهدف وإعادة العلاقة بين جمهور السينما وأحدث إنتاجات المؤسسة العامة للسينما يتم تنظيم هذه العروض التي تذهب بالأفلام إلى أقاصي المناطق رغم ظروف الحرب.

وما يلفت النظر في هذه المواجهة الفنية بين السينما والحرب، أن جمهورا فاعلا يحضر هذه الأفلام، سواء ما تعلق منها بأحدث إنتاجات المؤسسة أو بغيرها من الأفلام التي تقوم بعرضها وفق برمجيات محددة.

وواضح من خلال مؤشرات الحضور أن نسب حضور هذه الأفلام يزداد ولو في حدوده الدنيا. وهو الأمل الذي تراهن عليه المؤسّسة في السير قدما لترسيخ هذه التجربة وتفعيل علاقتها بجمهور الداخل السوري.

وعلى امتداد جولة العروض التي امتدت لفترة تقارب العشرة أيام، قامت مجموعة من الكوادر الإدارية التابعة لوزارة الثقافة السورية بالإعداد الجيّد لكل تفاصيل الجولة، فإضافة إلى كادر مؤسسة السينما عمل موظفون محليون على تقديم كل ما يمكن من جهد لإنجاح العمل منهم سامي طه مدير ثقافة حماة الذي قال عن الحدث “في الفيلم حكاية معاناة وألم الذي يعقبه أمل بغد أفضل، وثقافة حماة تقدّم الحياة السورية التي تبنى على قيم المواطنة وتحتفي بها، وهو ما ترجمه فيلم ‘درب السما'”.

الفيلم يُقيم علاقة تفاعل مباشر مع الجمهور السوري في مختلف محافظات البلد، ما يعزّز مكانة السينما كرافد للتغيير

أما مدير ثقافة دير الزور أحمد العلي فقال عن الحدث “دير الزور متعطّشة للسينما، وأفلام كهذه تنمّي الذائقة الفنية البصرية عند الجمهور، وهو ما نسعى لإرسائه بين أهالينا”.

وتبدو علاقة الجمهور السوري مع فن السينما مضطربة، وهي ما تزال تبحث عن ركائز تحقّق حالة من الاستقرار بين الباث والمتقبل، حيث يعود الفيلم السينمائي في حياة المواطن السوري إلى سابق عهده الذي كان مؤثرا في الحياة الاجتماعية العادية، فسوريا التي كان فيها العشرات من الصالات السينمائية في كل محافظة لم يبق منها إلاّ صالة واحدة وفي أحيان أخرى ينعدم حضورها في العديد من المحافظات.

ودائما ما تؤكّد المؤسسة العامة للسينما وهي الجهة شبه الوحيدة التي تنتج السينما في سوريا، أنها عازمة من خلال هذه المنظومة من العروض السينمائية على جسر الهوة بين الجمهور وصالات السينما التي فُقدت عبر العشرات من السنوات بسبب إجراءات إدارية حكومية تخصّ قطاع السينما، وشكّلت عائقا أمام تطوّر الحياة السينمائية في سوريا منذ نهاية سبعينات القرن العشرين وحتى اليوم.

15