الجمهور ميت وسعيد

السبت 2016/10/29

في أحد حوارات رواية مرغريت ميتشل الرائعة “ذهب مع الريح”، يعمد البطل إلى التقليل من شأن ما قام به من عمل بطولي في الحرب، فيعلن لحبيبته ببساطة أن ما فعله لا يعد بطولة كما يروّج له البعض، فالشجاعة في ساحة المعركة “كالخمر، تصعد إلى رؤوس الشجعان والجبناء على حد سواء.. فأي أحمق يمكنه أن يكون شجاعاً في ساحة المعركة، وإلا يتوجب عليه، حتماً، مواجهة الموت!”.

بالتأكيد، كان هناك الكثير من المبررات التي دفعت الكاتبة، على لسان البطل، إلى أن تعبّر بصراحة عن رأيها في الحرب وتجرح بسكين نقدها كبرياء الجمهور الذي كان يدفعه الحماس إلى تمجيد أبطال المعارك والإلقاء بالمزيد من السذج في محرقة الحرب الأهلية الأميركية في 1861 التي كانت خلفية للرواية في حينها.

وأهم هذه المبررات أن التغيير الذي ينشده القائمون على الحكم كان يمكن أن يتم من دون إراقة كل هذه الدماء وتأجيج الأحقاد وتعميق الخلافات. وهذه واحدة من أهم وظائف السياسة العاقلة المتزنة؛ إحداث تغيير وتطوير في المجتمع وتعديل “المعوّج” وفض النزاعات العرقية والطائفية بين فئاته المتناحرة من دون الحاجة إلى إراقة الدماء، مع قليل من الحكمة والحنكة في التعامل مع القضايا العابرة للحدود وترويض أطماع جيران السوء، والسهر على راحة وكبرياء الهوية الوطنية.

يتسلم بعض الحكام والقادة دفة الحكم عن طريق صناديق الاقتراع والانتخابات الصورية التي أصبحت في أيامنا هذه مدارس للمبتدئين لتعلم فنون النصب والاحتيال والضحك على ذقون الشعوب، بعضهم أيضاً يصح له الوصول بعد أن يتسلق ما يحلو له من جماجم منافسيه يقفز منها إلى قارب خشن ليواصل طريقه عبر نهر عريض من الدماء، أما العدد الأكبر من الحكام فتقودهم المصادفة وحدها إلى التحكم في مصير شعوب بريئة، أوقعها سوء الحظ المزمن عثرة في طريق هؤلاء.

وأيا كانت الغاية التي تبرر وسيلة الحكم، فإنه يتوجب على صاحب السلطة أن يقوم بالمهمة الشاقة التي تشبه فخا مليئا بالوحل أوقع نفسه فيه عن سابق تصور وتصميم، فإما الاعتياد على الوحل والتأقلم معه وإما محاولة الخروج منه بأقل الخسائر وإما إعلان الحرب على منافسيه أو على الشعب إن اقتضت الحاجة. بعض الحكام يتمتع بصلاحية كبيرة للتحكم في مقدرات دولته وإدارة شؤونها بموهبة نادرة بما فيها من سلطات متعددة والتحكم في نزواته أيضاً، وبعضهم لا يعدو كونه “دمية” آدمية لا تتحرك إلا بأمر من صاحب السيرك الذي يحدد خطواتها ويرسم ملامحها عن بعد، بوساطة خيوط متشابكة لا يستطيع تمييزها أفراد الجمهور الذين يجلسون في الخطوط الخلفية لقاعة العرض.

وهكذا، تتحدث الدمية، تتحرك، تبتسم، تبكي، تصرخ، تقطع ملابسها وتعلن الحداد على زمن السلم حين يحلو لها أن تضرم النيران في المسرح والجمهور معاً، من دون أن يلاحظ أحد أن هناك من يسيطر على العرض ويحرّك الدمية في الخفاء، وقلة ممن يجلسون في الخطوط الأمامية تستطيع أن تلمح “شبح” هذه الخيوط الباهتة فلا تكترث لها، فالمهم هو أن العرض مستمر والجمهور ميت وسعيد بموته.

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21