الجمهور يسلب السلطة من أباطرة الإعلام

الجمعة 2013/11/15
هل انتهكت صحف بريطانية قيم المهنة

لندن- توقع اليستر كامبل السكرتير الصحفي الأسبق في «10 داونغ ستريت» أن يسلب الجمهور، ممثلا بالمواطن الصحفي وجيل الشباب الجديد، السلطة من أباطرة الإعلام مثل روبيرت مردوخ وبول داكر، مؤكدا أن العلاقة بين الصحافة والجمهور تتغير إلى حد كبير لصالح الجمهور، الأمر الذي يفرض المزيد من التحديات أمام الصحف.

ويملك روبيرت مردوخ مجموعة إعلامية كبرى في بريطانيا تنشر صحف التايمز والصن الشعبية، فيما يدير بول داكر صحف ديلي ميل وميل اون صاندي الشعبية ومترو المجانية التي توزع في محطات القطارات.

وقال كامبل إن انخفاض توزيع الصحف المطبوعة ومطالبة الجمهور بالتغيير وارتفاع الوعي العام وتنوع مصادر جديدة للمعلومات، بما في ذلك مواقع التواصل الاجتماعي، ستجبر إمبراطوريات مالكي الصحف الكبرى على التراجع.

وطالب كامبل الذي شغل وظيفة السكرتير الصحفي لتوني بلير، قبل استقالته إثر فضائح حرب احتلال العراق، السياسيين بإزالة الاعتقاد الشائع عن الصحافة بأنها المصدر الوحيد للأخبار بسبب تغير دورها وتنوع مصادرها.

وعبر في محاضرة من المقرر أن يلقيها بمركز البحوث والفنون والعلوم الاجتماعية والإنسانية في جامعة كامبريدج هذا الأسبوع، ونشرت صحيفة الغارديان ملخصا لها، عن ثقته بأن صانعي الإعلام الجديد سيضعون قيما خاصة بهم، تنهي الاستحواذ المعروف على الصحف.

وتبدو آراء كامبل موضع تساؤل اليوم أكثر من أي وقت مضى على اعتبار أنه كان كبير السحرة في معبد الإعلام الحربي في زمن توني بلير، واستقالته المتأخرة لا تبرئ صفحته.

وينظر إلى اليستر كامبل على أنه لعب دورا رئيسيا في مساعدة حزب العمال بالعودة إلى السلطة بعد انتخابات عام 1997، وأصبح في زمن رئيس الوزراء الأسبق توني بلير كبير المتحدثين باسمه، والمنسق الرئيس بين الحكومة ووسائل الإعلام.

وعبر عن تفاؤله بمستقبل الصحافة، مرحبا بالتأثير الذي تشكله مواقع التواصل الاجتماعي بعد كسرها النمط الصحفي الذي كان يخدم رجال السياسة والنخب الاقتصادية المؤثرة.

وأكد كامبل الذي ينظر إليه كأصعب السكرتيرين الصحفيين الذين مروا على مبنى الحكومة البريطانية، أن الخوف الحقيقي على مستقبل الصحافة يكمن في بقاء ملكيتها بيد حفنة من الأثرياء «المتهربين من دفع الضرائب» لحصر قيمها في مصالح وأجندات ضيقة.

تبدو آراء كامبل موضع تساؤل اليوم أكثر من أي وقت مضى على اعتبار أنه كان كبير السحرة في معبد الإعلام الحربي في زمن توني بلير، واستقالته المتأخرة لا تبرئ صفحته

وأضاف «أن الجمهور صار يعرف أكثر الطريقة التي تعمل بها الصحافة اليوم، مما أضعف قوة أباطرة الإعلام، ومنح السياسيين فرصة لأن تمثل وسائل الإعلام المصلحة العامة لا مصالحهم الضيقة والخاصة».

وقال كامبل الذي يشغل حاليا منصب مستشار إعلامي في حكومة المملكة المتحدة، إن لجنة تحقيق القاضي ليفسون حول أخلاقية وسائل الإعلام بعد فضيحة التنصت على المشاهير من قبل بعض الصحفيين، كشفت الأغطية المتبقية عن روبيرت مردوخ، ودفعت الناس إلى المطالبة أكثر بالتغيير، كما فاقمت الغضب الشعبي، ومنحت جيل الشباب فرصة لقيادة التغيير بعد أن صار الأكثر على قراءة إيقاع هذا التغيير.

وتكشف آراء كامبل أن اتهام التكنولوجيا وحدها بأنها المسبب الرئيس لمشاكل الصحافة ليس صحيحا، فثمة مشكلة في القيم الصحفية، ولو أن صناعة أخرى أخطأت كما أخطأت الصحافة بحق جمهورها، لكانت علقت على أعواد المشانق! كما أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلتنا نصدق بعضنا البعض أكثر من تصديقنا للسياسي أو الصحفي.

وتنعكس آراء المستشار الصحفي لدى الحكومة البريطانية على القارئ العربي الذي كان محقا بدوافع الصحافة في بلداننا، فإذا كانت الصحافة الغربية، وهي على ذلك المستوى، صارت لا تخدم إلا فئة صغيرة من المستفيدين وأصحاب رأس المال، فكيف بحال صحافتنا التي تتبع في أغلبها الحكومات.

وانتهكت الصحافة الغربية منظومة القيم التي أرستها عبر السنوات، أما الصحافة العربية فلم ترس منظومة قيم بالأصل، وصار العالم العربي نهبا للقيل والقال عبر الشبكات الاجتماعية. ويبدو دور الصحافة اليوم أخطر من أي وقت مضى رغم أنها تبدو كـ «المتهمة» لأن إرساء منظومة القيم مهم حتى في إطار خدمة أفكار الدولة التي تمول الصحافة، كي لا تكون مؤسسة دعاية فاشلة مقارنة بالقيل والقال عبر تويتر وفيسبوك.

وتناول اليستر كامبل في محاضرته تداعيات الميثاق الملكي حول أخلاقيات تنظيم الصحافة الذي أقر مؤخرا، مؤكدا أن دور الدولة فيه سيكون تنظيمياً وليس مسيطرا على الصحافة ولا يهدد حريتها.

وأكد أن الميثاق جاء بعد أن تعرضت مسافة أخلاقية بين الجمهور والصحافة إلى المس وأثارت اشمئزاز العالم، ولو حدث مثل هذا الأمر في أي حقل آخر لقبول بنفس الطريقة.

ونفى أن يكون للميثاق الذي وقعته الملكة اليزابيث مؤخرا سلطة تنهي حرية الصحافة في بريطانيا مثل تتبع أخبار قرارات السياسيين وعرض التحقيقات حول نفقات أعضاء البرلمان، مكذبا الأقاويل حول منح الميثاق السلطات الحق بسجن الصحفيين، وموضحا أنه في صيغته النهائية لايحمي السياسيين مطلقا.

وقال إن الميثاق الملكي «يطمح إلى توفير الحماية لهؤلاء الذين لا يمتلكون النفوذ أو الثروة أو الشهرة التي تمكنهم من حماية أنفسهم، والذين يتعرضون لضغوط قد تساهم في تدمير حياتهم عبر الأنشطة غير الشرعية لبعض الصحفيين».

وأثار في محاضرته تساؤلات حول ما إذا كانت صحيفة الغارديان ذهبت أكثر مما ينبغي في نشر أخبار التجسس، التي تقوم بها وكالة الأمن القومي الأميركي، على دول العالم، معتبرا أن هذه القضية تثير أمام الصحافة أكبر الأسئلة المعاصرة.

وشدد بقوله إن الصحفيين هم أكثر الأشخاص القادرين على اتخاذ القرارات التي تهم المصلحة العامة وسلامة الدولة وأمنها، معترفا بأن سنودن كان مصدرا صحفيا مثيرا، لكن تبقى التكنولوجيا هي الحنجرة العميقة.

واعتبر في ختام محاضرته أن على المحررين أن يقدروا ما ينبغي نشره مع مصدر المعلومات، مفضلا أن يتم ذلك في إطار تحكمه القواعد الأخلاقية للسلوك المهني والحوار الناضج.

وشاع مصطلح الحنجرة العميقة (Deep Throat) مع فضيحة «ووترغيت»، عندما سرب مصدر المعلومات الغامض أو «الحنجرة العميقة» أسرار تجسس الجمهوريين على الديمقراطيين في زمن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى صحيفة «واشنطن بوست» وهو ما تسبب في استقالته.

18