الجميع رابح في الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط

السبت 2014/10/11
مواقف الغرب تتغير دوما وفق تغير مصالحه وأجنداته

القاهرة- يلاحظ الباحث محمد عباس ناجي أن الصراع المتفرع في منطقة الشرق الأوسط وصل إلى مرحلة وسطية “الجميع فيها رابح”. ويرصد الباحث كيف أن كل الأطراف متعادلة في ما يخص الحلول لمختلف القضايا المطروحة في المنطقة بدءا من النووي الإيراني ووصولا إلى انتخاب رئيس توافقي للبنان ومرورا بالأزمة في العراق وسوريا واليمن.

تداعيات كثيرة نتجت عن الثورات والاحتجاجات التي اجتاحت العديد من الدول العربية منذ أكثر من ثلاثة أعوام. أحد أهم هذه التداعيات ما أطلق عليه الباحث محمد عباس ناجي استراتيجية “ربح – ربح”. ويحلل ناجي هذه الاستراتيجية، ضمن دراسة نشرها المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، بالقاهرة، عنوانها “الجميع رابحون، معادلات جديدة للصراعات في الشرق الأوسط”.


أين وصل الصراع في الشرق الأوسط؟


كرّست الأحداث المختلفة التي عاشتها المنطقة في السنوات الأخيرة معادلة جديدة تتمثّل في تراجع نسبي لظاهرة “الصراعات الصفرية” التي تنتهي بانتصار طرف وهزيمة آخر، لصالح “الصراعات المفتوحة” التي لا يستطيع أيّ من أطرافها حسمها لصالحه بشكل كامل، وتنتهي، في الغالب، بالوصول إلى تسويات أو حلول وسط، وهو ما يمكن رصده في العديد من الملفات في المنطقة.


• الصفقة الإيرانية:


في أزمة الملف النووي الإيراني، لم يستطع الغرب، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، إجبار إيران على وقف برنامجها النووي رغم كل الضغوط والعقوبات التي فرضها عليها، كما لم تتمكن إيران من استكمال برنامجها النووي وربما الوصول إلى مرحلة امتلاك القنبلة النووية رغم الأهمية القصوى التي منحتها لهذا البرنامج، والتي ربما جاءت على حساب أولويات أخرى.

معظم مفاتيح الصراعات في المنطقة انتقلت من الأطراف الداخلية إلى القوى الإقليمية

في النهاية، اقتنع الطرفان بصعوبة إنهاء الأزمة بشكل “صفري” (أي تدمير البرنامج بالنسبة إلى الغرب، أو استكماله بالنسبة إلى إيران)، ومن ثم اتجاهها إلى تبني بديل ثالث هو “الصفقة” أو “التسوية” التي تعتمد على الوصول إلى حلول وسطى تُنهي المخاوف التي تنتاب الغرب من إمكانية وصول إيران إلى القنبلة النووية، وفي الوقت نفسه تمكن إيران من الحفاظ على برنامجها النووي مع إخضاعه لتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ورفع العقوبات المفروضة عليها. وقد دفع ذلك بعض الاتجاهات إلى التكهن بأن جميع أطراف هذا الصراع سوف تخرج منه “منتصرة”، في إطار ما يُسمى باستراتيجية “ربح – ربح”.


• الملف السوري:


في الأزمة السورية، نجح نظام الرئيس السوري بشار الأسد في البقاء في الحكم رغم كل الضغوط التي فُرضت عليه من جانب قوى دولية وإقليمية عديدة اتجهت إلى تقديم مساعدات عسكرية لقوى المعارضة من أجل إسقاطه، لكنها لم تنجح في ذلك، لتتأسس معادلة جديدة لـ”توازن الضعف” في سوريا بين النظام وقوى المعارضة المسلحة. فليس هناك من طرف مهزوم بشكل كامل، ولا من طرف منتصر بشكل كامل.


• الأزمة العراقية:


في العراق، ورغم أن اتجاهات عديدة اعتبرت الإطاحة برئيس الوزراء السابق نوري المالكي من رئاسة الحكومة بمثابة خسارة إقليمية كبيرة لإيران وانتصار بارز لخصومها الإقليميين، فإن تلك الاتجاهات تجاهلت حقيقة أن خليفة المالكي (حيدر العبادي) ينتمي إلى الحزب نفسه (الدعوة) الحليف لإيران، وأن المالكي نفسه لم يخرج من المعادلة بشكل كامل، بعد تعيينه في منصب نائب رئيس الجمهورية رغم أن هذا المنصب لا يتضمن صلاحيات كبيرة.


• الوضع اليمني:


على العكس في اليمن، اعتبرت اتجاهات أخرى أن سيطرة جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء بشكل شبه كامل يمثل انتصارا نوعيّا لإيران، وخسارة لا يستهان بها لخصومها، غافلة أن تلك الجماعة تجنبت، بشكل لافت للانتباه، محاولة إسقاط النظام الحاكم الذي تأسس بموجب المبادرة الخليجية التي لم تحظَ بقبول إيران، وأن قوى إقليمية عديدة، بما فيها خصوم الأخيرة، رحبت بالتوقيع على اتفاقية “السلام والشراكة” التي أوقفت إطلاق النار بين الجماعة والقوات الحكومية.


ما نتيجة تداخل الملفات والصراعات؟

عباس ناجي: حالة من عدم الثبات تدخل المنطقة في دائرة مغلقة من التوتر والاحتقان


يخلص الباحث محمد عباس ناجي في الجزء الأول من الدراسة إلى أن ما سبق يشير إلى أن تلك الصراعات لم تعد تخضع لمثل تلك الحسابات الضيقة للربح والخسارة، وأنها باتت مرتبطة بمصالح القوى الإقليمية المعنية بها، والتي تتشابك في صراعات معينة، وتتقاطع في صراعات أخرى.

واللافت هنا، وفق ناجي، أن هذا التشابك والتقاطع في المصالح بات يُحدث مفارقات في بعض الأحيان، على غرار نجاح إيران في التواصل مع بعض قوى المعارضة السورية، بل وتمكّنها من لعب دور الوسيط بين النظام وتلك القوى، مثلما حدث مع توقيع صفقة “حمص” برعاية إيرانية بين النظام السوري والجبهة الإسلامية في مايو 2014، وعلى غرار تواصل قطر مع حزب الله اللبناني رغم الخلافات المتصاعدة بين الطرفين حول الموقف من الأزمة السورية.


ما هي عوامل انتشار "الربح للجميع"؟


يرجع محمد عباس ناجي انتشار ظاهرة “الربح للجميع” في العديد من الصراعات التي تشهدها المنطقة، إلى اعتبارين رئيسيين:

أولهما، ضعف دور الدولة وعجزها، في بعض الحالات، عن فرض هيبتها على كل أراضيها، بشكل منح الفرصة لظهور الميليشيات المسلحة والجماعات المتطرفة التي سعى بعضها إلى محاكاة الدور التقليدي الذي تقوم به الدولة، على غرار تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش).

وثانيهما، تجاوز معظم الصراعات التي تشهدها المنطقة نطاقاتها الداخلية إلى الأفق الإقليمي الأوسع، بشكل بات يطرح دلالة مهمة تتمثل في أن معظم “مفاتيح” تلك الصراعات انتقلت من الأطراف الداخلية إلى القوى الإقليمية، بشكل بات يفرض صعوبات عديدة على احتمالات تسويتها دون الوصول إلى توافق إقليمي.

و يصعب الحديث مثلا عن حل أزمة الفراغ الرئاسي في لبنان دون توافق إيراني-سعودي. فضلا عن أن استمرار الأزمة السورية حتى الآن دون تسوية ونجاح نظام الأسد في الاستمرار لا يمكن تفسيره إلا في ضوء الدعم الذي يحظى به من جانب قوة دولية مثل روسيا وفرت ظهيرا دوليّا مهمّا حال دون تعرضه لإدانة من داخل مجلس الأمن الدولي، وقوة إقليمية على غرار إيران، وفرت له مساعدات مالية وتسليحية وفنية مكنته من تحقيق تقدم نوعي على قوى المعارضة في بعض المناطق الاستراتيجية، وإن لم يستطع استعادة السيطرة بشكل كامل على معظم الأراضي السورية.

حتى في العراق، لم تنجح الأطراف الداخلية في تسوية الأزمة السياسية، إلا بعد حدوث توافق إقليمي، أدى في النهاية إلى فرض ضغوط على المالكي من أجل التنحي، وتكليف حيدر العبادي برئاسة الحكومة.


لماذا تصاعدت الصراعات في المنطقة؟


المفارقة تكمن في أن انتشار تلك الظاهرة ربما يفرض تداعيات سلبية عديدة، أهمها استمرار تلك الصراعات دون الوصول إلى تسوية شاملة ونهائية لها، لأنها تبقى في النهاية معتمدة على توازن قوى يتعرض باستمرار لحالة من عدم الاستقرار، نتيجة التشابك والتقاطع في مصالح وحسابات أطرافها، والتي تتغير بدورها بسبب التطورات المتسارعة التي تشهدها تلك الصراعات.

هنا، ربما تُضفي تلك الحقيقة نوعا من الأهمية والزخم على بعض الاتجاهات التي تستند إلى أفكار المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، والتي تشير إلى أن غياب القوة الإقليمية الكبرى، القادرة ليس فقط على حسم الصراع لصالحها، وإنما أيضا على صياغة توازن قوة مستقر وبعيد المدى، هو السبب في تصاعد حدة تلك الصراعات واستمرارها دون بروز مؤشرات تفيد بإمكانية تسويتها في الأمد القريب.

تراجع نسبي لظاهرة "الصراعات الصفرية" التي تنتهي بانتصار طرف وهزيمة آخر لصالح "الصراعات المفتوحة"

في لبنان، مثلا، لم تبرح الأزمة السياسية مكانها، رغم التداعيات الإيجابية التي فرضها تشكيل حكومة تمام سلام، بتوافق إقليمي، وذلك بسبب التطورات المتسارعة التي طرأت على الساحة الإقليمية، لا سيما في سوريا، والتي يبدو أنها دفعت القوى الإقليمية المعنية بالملف إلى إعادة قراءة المشهد من جديد، وربما الاستقرار على أن الفراغ الرئاسي يبقى هو الخيار الأفضل في الوقت الراهن، ربما إلى حين تبلور ظروف إقليمية تكون أكثر توافقًا مع مصالحها وحساباتها.

أما في اليمن، فلا يبدو أن سيطرة الحوثيين على المشهد السياسي تمثل نهاية للصراع، بقدر ما تعتبر بداية لمرحلة جديدة من عدم الاستقرار، ليس فقط بسبب سعي الأطراف الأخرى إلى إعادة ترتيب أوراقها وحساباتها، انتظارا لاستحقاق سياسي وإقليمي جديد، وإنما أيضا، وربما يكون ذلك هو الأهم، بسبب عدم الثبات في أنماط التوافق والصراع بين القوى الإقليمية المعنية بالأزمة، التي يبدو أنها لم تستقر بعد على تحديد موقفها العام من تطورات تلك الأزمة.

في العراق، ورغم تشكيل حكومة جديدة برئاسة العبادي، فإن ذلك لم يُنْهِ الأزمة السياسية بشكل كامل، خاصة أن ما حدث حتى الآن ربما يدخل، وفقا لاتجاهات عديدة، في إطار تغيير في “الشخصيات” وليس في “السياسات”، بما يعني إمكانية عودة الأزمة إلى مربعها الأول في حالة ما إذا لم تلتزم الحكومة الجديدة بتبني توجهات مختلفة.

وهكذا، تبقى معظم الصراعات، إن لم يكن مجملها، عرضة باستمرار لحالة من عدم الثبات، التي تُدخل الإقليم في “دائرة مغلقة” من التوتر والاحتقان، والتي لا يبدو أنها سوف تنتهي في القريب.

6