الجميع يرغب في العيش لفترة أطول، لكن على أحدهم دفع الثمن

بات التطور العلمي في مجال الطب أحد أسس زيادة متوسط الأعمار في دول غربية عدة. وزاد النقاش حول قدرة الدولة في تحمل تكاليف الرعاية الصحية لكبار السن، أو إلقاء العبء على كاهل الأسر انطلاقا من “ادخار القرش الأبيض من أجل اليوم الأسود”. وكانت بريطانيا على وشك التحول إلى هذا النموذج بدفع من حزب المحافظين، لكن احتجاجات اجتماعية عطلت المشروع، الذي من شأنه أن يحرم مئات الآلاف من ميراثهم بعد انتقال ملكية العقارات من والديهم إلى الدولة مقابل تكاليف الرعاية الاجتماعية.
الثلاثاء 2017/06/06
إصلاح نظام الرعاية الصحية دون هدم إرث المجتمع

لندن – تحولت مشكلة الرعاية الاجتماعية في دول العالم الأول إلى أزمة إستراتيجية بعيدة المدى، إذ لم تعد الميزانيات الوطنية قادرة على تحمل ارتفاع حاد في التكلفة نتيجة زيادة متوسط العمر.

وأدى اختراع عقاقير حديثة قادرة على مواجهة أمراض شائعة كانت تسبب الوفاة سابقا، إلى القضاء على هذه الأمراض واستمرار المسنين في العيش حتى الوصول إلى سن معمرة.

وأدى ذلك إلى مضاعفة الفترة التي يقضيها كبار السن بعد التقاعد. وإذا كان متوسط الخدمة المدنية حوالي 40 عاما، فإن بقاء الإنسان على قيد الحياة حتى بلوغ المئة يجعله جزءا من برنامج الرعاية الصحية لمدة 40 عاما أخرى.

وأعلنت سارة هاربر، أستاذة علم الشيخوخة بجامعة أكسفورد ببريطانيا، الأسبوع الماضي أن متوسط العمر المتوقع للطفل البريطاني المولود اليوم هو 104 أعوام. وعمل تطوير الطب الحديث على إطالة متوسط العمر الافتراضي لمدة 15 دقيقة مع كل ساعة تمر. وارتفعت معدلات الزواج في سن المعاش بشكل ملحوظ.

ونتيجة لذلك تشير هاربر إلى أن المجتمعات الغربية تعيش “حالة جنون”، إذ يمكن للشباب إنهاء مراحلهم التعليمية المختلفة في منتصف العشرينات، ثم بلوغ سن التقاعد في أوائل الستينات وحتى التسعينات. وبهذه الطريقة سيصبح الناس في منتصف أعمارهم غير قادرين على الإنتاج من الناحية الاقتصادية، ولن يساهموا بشكل مباشر لصالح سير المصلحة العامة.

سيمون جينكينز: خطوة ماي الأخيرة قد ينظر إليها باعتبـارها تشجيعا على قضيتي تنظيم القتل الرحيم والانتحار الإرادي

و”طول العمر” هو مسألة إيجابية للكثير من الحالمين بها، لكن يجب على شخص ما أن يتحمل التكلفة.

وعلى مدار التاريخ مثلت الشيخوخة عبئا على كاهل الأسر والمجتمعات المحلية. ولم يكن عدد كبار السن كبيرا وقتها، لذلك كان من الممكن تحمل مثل هذا العبء. ولكن اليوم يعيش كبار السن لفترة أطول، وقد ازدادت معدلات استهلاكهم للرعاية الصحية والاجتماعية، وارتفعت التكلفة إلى درجة أن كبار السن وحدهم يستهلكون ما يقرب من نصف ميزانية هيئة الخدمات الصحية الوطنية.

ويقول مؤيدون لتوجه رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي بإلغاء نظام الرعاية للمسنين إن تراجعها عن إدراج القرار ضمن برنامج حزب المحافظين الذي تتزعمه “كارثي”.

ويقول الكاتب البريطاني سايمون جينكينز إن كلام تيريزا ماي، التي يستعد حزبها لخوض انتخابات تشريعية يوم الخميس المقبل، لم يكن “مجرد كلام فارغ يُقال في حملة الانتخابات. فهي بذلك تحدت إحدى أهم وأخطر سمات العيش، وهي توفير الرعاية المجانية من المهد إلى اللحد. وعلى هذا النحو، لم يكن من المفروض، أن يُطرح مثل ذلك الموضوع في الحملة الانتخابية حينما تولى تجار الشعبوية القيادة”.

وأضاف “وعليه فقد أُغلق باب النقاش في هذا الموضوع بالنسبة إلى أعضاء البرلمان. وظهرت تيريزا ماي أمام كل من التأمين الوطني، وسوق الأعمال ليست كقائدة قوية ورصينة، ولكن أكثر ضعفا وتذبذبا”.

ويرى خبراء اقتصاديون أنه يجب دفع ثمن الرعاية الصحية سواء عبر الضرائب العامة أو التأمين أو المدخرات التي يدخرها كبار السن أنفسهم. وكافح خبراء العلوم الإحصائية والحسابية في مجال التأمين، مثل الباحث البريطاني آندرو ديلنوت، لإقرار القليل من الدعم، ما بين وجوب دفع النفقات والاستفادة من خدمات التأمين. ولم تجن أي من هذه المحاولات ثمارها، حتى خرجت تيريزا ماي باقتراحها الدرامي خلال الحملة الانتخابية.

وأعلنت ماي أنها لا تستطيع تحديد سقف لتكاليف الرعاية المنزلية والتي ربما تكلف صاحبها بيع منزله. وتوقعت أيضاً أنه سيبقى فقط مبلغ صغير يقدر بحوالي 100 ألف جنيه إسترليني كحد أقصى للرعاية. وقالت إنه “في عصر الأمراض المزمنة مثل الزهايمر والخرف والشلل الرعاش، لا يمكن ببساطة للدولة أن تحمل على عاتقها كل تلك النفقات الباهظة للرعاية المنزلية”. واقترحت عودة النظام القديم، وهي أن رعاية كبار السن هو واجب ومسؤولية الأسرة ككل.

قد ينزعج أطفال اليوم من ضياع إرثهم، لكن يجب تقبُّل المخاطر والمصاعب التي تأتي من وراء \'العمر الطويل\'

وقال وزير الصحة البريطاني جيريمي هانت “يجب أن تستخدم الأصول التي ادخرتها طيلة حياتك في دفع ثمن الرعاية الصحية الخاصة بك”. حيث إذا امتلك شخص منزلاً بقيمة مليون جنيه إسترليني أو مليوني جنيه إسترليني، ووصلت نفقات تكاليف رعايته ربما إلى 100 ألف أو 200 ألف جنيه إسترليني، فمن العدل أن تدفع الضرائب النفقات عنه. ويعني هذا أن منزلا بقيمة 218 ألف جنيه إسترليني معروض للبيع لسداد نفقات الرعاية إلى الحكومة حتى لو تأجل ذلك السداد إلى ما بعد الوفاة. ومن وجهة نظر هانت وماي، “الأغنياء كانوا يدخرون من أجل يوم عصيب كهذا”.

لكن ماي لم تستطع أن ترى جانبي الموضوع اللذين سيؤديان إلى حدوث “كارثة” حتمية. وأول هذين الجانبين هو أن خصخصة الرعاية الصحية ونقل عبء الرعاية من الدولة إلى الأفراد والأسر، سيضع العقارات التي تمتلكها الأسرة في خطر الضياع في حالة إصابة كبير السن هذا بمرض مزمن مثل الخرف على سبيل المثال.

والجانب الثاني هو إعادة توزيع كبيرة للثروة، بمعنى أن تكلفة العجز في الشيخوخة لن تقع على عاتق الدولة إلا إذا كان المريض فقيرا جدا، مما سيؤدي إلى ارتفاع حصة الضرائب التي ستقع على عاتق الأغنياء بشكل كبير.

ويقول جينكينز “من الممكن أن ينظر الساخرون إلى عرض ماي باعتباره خطوة تشجع قضية تنظيم عملية القتل الرحيم أو الانتحار الإرادي”.

وخلال منتصف القرن العشرين، كان الأرستقراطيون الذين يعانون من ضغوط ناتجة عن العيش في المدن يرهنون منازلهم في الأرياف لدى صندوق وطني إذا ما قرروا الذهاب والإقامة فيها طوال السنوات المتبقية في حياتهم. وكان ذلك يؤدي إلى عدم انتقال المنزل إلى الورثة.

واليوم تفهم الطبقة الأرستقراطية منظومة العدالة الاجتماعية باعتبارها حقا للطبقة الوسطى القادرة على شراء المنازل، لكن الحكومة تفهم ذلك باعتباره رعاية مقدمة للمسنين المقيمين في منازلهم، وعبئا على الدولة.

جيرمي هانت: ليس أمامك سوى استخدام الأصول التي ادخرتها طيلة حياتك لدفع ثمن رعايتك صحيا التي لم تعد الدولة تتحملها

وبالرغم من النظام الاشتراكي الذي شهدته العقود الماضية في بريطانيا، إلا أن العُرف يقتضي أن يورّث الأغنياء ثروتهم لأبنائهم بعد وفاتهم بعد الإيفاء بالالتزامات القانونية.

وأن يورّث الوالد لابنه الأصول التي كان يمتلكها، كان أمراً إلزامياً. لكن تشير هاربر إلى أن “ظروف الحياة الآن غيرت من هذا الواقع، ولا يمكن لأبناء اليوم أن يرثوا أي شيء حتى يبلغوا سن التقاعد”.

ويقول جينكينز “إن مشكلة هانت وماي تكمن في أنهما يظنان أن تحميل الدولة بنفقات رعاية المسنين في سن الشيخوخة هو أمر غير عادل، وأنه أمر وُرّث لهيئة الرعاية الصحية الوطنية من وجهة نظرهما. عندما انفجر رد فعل الشعب تجاه ذلك الاقتراح، كان عدول ماي عن اقتراحها عملا مخزيا ومهينا بعدما صرحت بقولها: لم يتغير أي شيء من المبادئ المتعلقة بسياسة الرعاية الاجتماعية التي وضعناها في برنامجنا”.

ولكن بالطبع حدث هناك تغيير. أولاً أنها قالت أن أصول العقارات من الممكن أن تصبح ثمناً لرعاية المسنين. ولكن تراجعت الآن لتقول “لا لن تكون كذلك”. وقال جينكينز “أعرف أن جميع السياسيين كاذبون، ولكنهم لا يمكن أن يفعلوا ذلك ببساطة أمام الجمهور والكاميرات”.

وأظهرت رئيسة الوزراء البريطانية شجاعة عندما أعلنت عن خطة إصلاحات كتلك التي لاقت احتجاجا من القطاع الخاص وحزب العمال على حد سواء. وسألت: هل يعتقدون حقا أن الدولة ستتمكن من تحمل نفقات رعاية كبار السن مجانا؟ هل يتوقعون حقا أن يتحمل دافعو الضرائب ذلك العبء؟ هل يعتقدون حقا أننا نجمع الثروات فقط لنورثها لأبنائنا وليس لمساعدة أنفسنا عند الكبر؟

واقترحت ماي إنشاء نظام “الورقة الخضراء” للرعاية الاجتماعية، والتي سيتعين عليها معالجة المسألة الصعبة الشائكة المتمثلة في تحديد سقف جديد لوضع “حد مطلق” للمبلغ الذي يتعين على الناس دفعه. كما يجب أن تدرس كذلك دور المؤسسات العقارية ومؤسسات المواريث في تخفيف الأعباء على الدولة.

ومن المتوقع على نطاق واسع أن يتغير مفهوم الميراث إلى الأبد أمام هذه التحديثات.

وطرح محللون اقتصاديون أفكارا لتجاوز الأزمة. وكان من بين هذه الأفكار رفع سن التقاعد بدلا من الستين والخامسة والستين في بعض الدول، إلى السبعين أو الخامسة والسبعين. لكن معارضين للفكرة قالوا إن ابقاء الموظفين في العمل لفترات طويلة سيتسبب في ركود حركة السلم الوظيفي إلى أعلى بالنسبة إلى الشباب العاملين، كما سيتسبب في ارتفاع معدلات البطالة، بالنظر إلى عدم حاجة المؤسسات والشركات والمصانع إلى موظفين جدد، اعتمادا على الموظفين الحاليين الذين سيكونون قد راكموا خبرة طويلة.

وسيؤدي هذا النهج إلى ركود اقتصادي كبير، إذ لن يتمكن الشباب والأزواج الجدد من ضخ أموال في سوق العقارات لشراء بيت جديد، كما ستؤول أموال ضخمة إلى الحكومة، وهو ما سيعزز خيارات القطاع الحكومي في السوق على حساب حركة الأموال الخاصة.

قد ينزعج أطفال اليوم عندما يعلمون أن طول عمر والديهم سوف يحول دون إرثهم. ولكن هذا هو حال الأسر. يجب تقبُّل المخاطر والمصاعب التي قد تأتي من وراء “العمر الطويل”.

13