الجميع يقع في الفخ.. حياتنا مشوهة مقارنة بصور مواقع التواصل

الحياة الواقعية يجب أن تأتي أولا دائما وإلا فإن الأمور ستكون محفوفة بالمخاطر.
الجمعة 2019/03/22
المقارنة حتمية

بمجرد متابعة ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي تحدث مقارنة حتمية بين حياة المستخدم وبين جميع الأشياء الرائعة التي يشاهدها، لتكون النتيجة في الكثير من الأحيان شعورا بالاكتئاب وبأنه أقل، من حيث المكانة، من الأشخاص المنشورة صورهم على هذه المواقع وتنطق بالجمال والتألق.

برلين - فخ محكم السيطرة تصنعه مواقع التواصل الاجتماعي من خلال كمّ غير متناه من الأشياء الرائعة في الحياة، المناظر الطبيعية البكر الجميلة في المناطق البعيدة، والأطعمة الشهية التي يسيل لها اللعاب، وكذلك صور “السيلفي” التي تبدو على درجة عالية من الجمال والأناقة، لننتهي إلى مزاج سيء والشعور بأننا نبدو بالمقارنة بها مثل “غول” قبيح الطلعة.

ويمكن للتدوينات التي تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي أن تؤدي إلى تراكم الضغوط التي نشعر بها لكي نصبح على درجة عالية من المثالية في حياتنا، مما يجعل مستخدمي هذه المواقع يشعرون بالاكتئاب، وبأنهم أقل من حيث المكانة من الأشخاص الذين نرى صورهم المنشورة على هذه المواقع تنطق بالجمال والتألق، وفي المقام الأول من المرجح أن يعاني أولئك الذين لا يتفاعلون مع ما ينشر على تطبيقات التواصل مثل إنستغرام وفيسبوك تأثيرات سلبية، وذلك وفقا لما يقوله خبراء الطب النفسي.

وفي العالم الافتراضي الموازي الذي تسوده مواقع التواصل الاجتماعي، تبدو حياة كل شخص آخر غارقة في المثالية، وعلى الرغم من أنه ليس سرّا أنه يتم نشر معظم الصور على هذه المواقع بحيث يكون لها تأثير ما على المتلقي، وذلك وفقا لكيفية استخدام الشخص للمواقع، فإن لها تأثيرا سلبيا على الصحة العقلية لمن يشاهدها.

وتقول خبيرة الطب النفسي سونيا أوتز “إن الاستهلاك السلبي لما ينشر على هذه المواقع بمعنى عدم التفاعل معه، يمكن أن يؤدي أكثر من أي شيء آخر إلى تدهور الحالة المزاجية للمستخدم”.

وتشير ورقة بحثية نشرت عام 2017 حول استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، إلى أنه لن يجدي نفعا مجرد أن تقول لنفسك إنك لن تجري مقارنات مع الصور المنشورة، وتوصلت هذه الدراسة إلى وجود علاقة مترابطة سلبية بين عدم التفاعل مع محتوى مواقع التواصل وبين الحالة النفسية للمستخدم. وتوضح أوتز أن “الأشخاص يظهرون دائما الجوانب المضيئة من حياتهم وأفضل ما فيها في تدويناتهم على فيسبوك وإنستغرام وغيرهما من شبكات التواصل، وفي معظم الأحوال يجري المستخدمون السلبيون غير المتفاعلين مقارنات مع من يرون أنهم أعلى مكانة، أو يقارنون بين أنفسهم وبين أولئك الذين يرون أنهم أفضل منهم”.

علاقة مترابطة سلبية بين عدم التفاعل مع محتوى مواقع التواصل وبين الحالة النفسية للمستخدم

ويمكن أن تؤدي هذه المقارنات إلى حدوث مستويات منخفضة من التقدير لذواتهم وعدم الرضا عن الأوضاع الحياتية للمستخدم.

ومن ناحية أخرى تقول أوتز إن الورقة البحثية التي أعدتها مجموعة من الباحثين تشير إلى أن هناك علاقة إيجابية متبادلة بين الاستخدام النشط لشبكات التواصل الاجتماعي وبين الصحة النفسية للإنسان، وتضيف أن “التفاعل مع أشخاص آخرين يجعلك قادرا على البدء في بناء رأسمالك الاجتماعي”.

فالمستخدمون الذين يدونون التعليقات والحوارات ويجادلون ويجرون مناقشات مع آخرين، يجدون أن مواقع التواصل الاجتماعي تمثل أداة يمكن أن تثري حياتهم.

بينما ترى كارين كروميل خبيرة الطب النفسي أن ثمة قاعدة واحدة يجب تذكّرها في المقام الأول في العالم الافتراضي، وهي أن “الحياة الواقعية يجب أن تأتي أولا على الدوام وإلا فإن الأمور ستكون محفوفة بالمخاطر”.

ومن المتعذر أن تمثل علامات الإعجاب على مواقع التواصل من جانب المتابعين لتدويناتك والذين لم تقابلهم على الإطلاق بشكل شخصي، بديلا عن تقدير الأصدقاء وأفراد الأسرة وتحل محلهم، ولكي تتجنب الجذب الخطير للمقارنات والتقييم على شبكات التواصل الاجتماعي، من المهم للغاية أن تكون لك قاعدة اجتماعية مستقرة على أرض الواقع.

وأكثر من ذلك تعد مسألة نظرة الشخص لقيمته وجدارته الشخصية على درجة من الأهمية أيضا، وتوضح كروميل قائلة “إنني كمستشارة في مجال ‘التدريب الحياتي’ الذي يساعد المرء على تحديد أهدافه وأولوياته في الحياة، غالبا ما أعمل مع أشخاص يتعرضون لمتاعب نفسية نتيجة ضغوط مواقع التواصل الاجتماعي التي يتعرضون لها”.

Thumbnail

وتضيف “في هذه الحالات دائما ما أنصح بطرح هذا السؤال: ما هي القيم التي تعد مهمة حقيقة بالنسبة إلي؟، ويجيب معظم الأشخاص بنفس الردود قائلين إنها قيم الأمانة والصدق والصراحة، وهي أمور غالبا ما تكون غير متوافرة على شبكات التواصل الاجتماعي”.

وتتابع كروميل قائلة “غير أن الأشخاص يمكنهم مع ذلك تعلم كيفية استخدام هذه التطبيقات بما يتماشى مع قيمهم الذاتية”.

ويمكن أن تؤدي التطبيقات الإلكترونية إلى تدهور الأمور أيضا، فيوضح فالك هيدمان، وهو صاحب مدونة للاستشارات بشأن مواقع التواصل، أن “التطبيقات تشوه مفاهيمنا بما يجعلنا نخفّض من مستويات التفاعل مع أصدقائنا الموجودين في الحياة الواقعية، وبالتالي نقلل من مكانتهم ووجودهم في تدويناتنا”.

ولإعادة السيطرة قليلا على ما تراه في هذه المواقع يمكنك التفكير في البحث عن الشخص الذي تتابعه عليها، واحذف شخصا أو اثنين من قائمة المشاركين لك في المواقع أو مجموعات الرسائل.

ولدى كاترينا كاتزر المتخصصة في السلوك الرقمي بعض النصائح للتأكد من عدم استخدامك لشبكات التواصل الاجتماعي طوال الوقت، من بينها استخدام تطبيقات تخبرك بالوقت الذي تمضيه في قراءة التدوينات على هاتفك المحمول، ومن بينها أيضا وضع الهاتف في مكان بعيد عن أنظارك على لا تنجذب إلى النظر لشاشته كل بضع دقائق.

Thumbnail

وبالإضافة إلى ذلك يمكنك التفكير أثناء التجمعات مع الأصدقاء وأفراد أسرتك في جمع جميع الهواتف المحمولة التي بحوزتهم، وجعل الشخص الذي ينظر إلى شاشة هاتفه الذكي يسدد ثمن الدفعة الثانية من المشروبات، أو أن يقوم بغسل الأطباق.

وإذا كان علماء النفس يحاولون إيجاد صيغة مرنة للتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي، فإن السياسيين يبدون موقفا متشددا منها ويأملون بفرض إجراءات قاسية ضد شركات التكنولوجيا معتبرين أنها تطوّر أدواتها لصناعة هذا التأثير السلبي على المستخدمين لمصلحتها الشخصية بجذب أكبر عدد ممكن من المستخدمين وجعلهم يدمنون المنصات الاجتماعية.

وفي وقت سابق من الشهر الحالي قال نواب في البرلمان البريطاني إنه يجب اعتبار إدمان وسائل التواصل الاجتماعي كمرض، محذرين من احتمال تأثير شبكات التواصل الاجتماعي على صحة مستخدميها العقلية.

ودعا السياسيون إلى إجراء المزيد من البحوث في ما يتعلق بآثار هذه المنصات الاجتماعية، قائلين إن هناك تقريرا يشير إلى وجود سبب وجيه للاعتقاد بأن مواقع مثل فيسبوك وإنستغرام وتويتر، التي تتنافس باستمرار على جلب المستخدمين وإبقائهم مُتابِعين لها أطول فترة ممكنة، يمكن أن يكون لها تأثير خطير على الأطفال، وفق ما جاء في تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

19