الجنادرية رمز الإنسانية وعنوان الحضارة

السبت 2016/02/13

مهرجان الجنادرية يمثل المملكة العربية السعودية وكل دول الخليج والمنطقة العربية، وهو في الواقع سفارة شعبية وإن كانت تمثل تاريخا مخصوصا، إلا أنه يستضيف تواريخ الآخرين ويحدث حراكا تفاعليا كبيرا بين زواره والمشاركين في فعالياته من مختلف دول العالم، أي أنه مناسبة حضارية دولية تعكس قضايا الثقافات وتفتح مساحات من الاتصال الرفيع بين مختلف أطياف الفكر الإنساني.

الكثير من النخب الفكرية التي يمكن أن نلتقيها في الجنادرية من شتى أنحاء العالم تقدم رؤية متجددة للتواصل، ولعل الأهم في هذا السياق هو تكوين صورة ذهنية متقدمة عما يمكن أن نضيفه حضاريا، باعتبارنا من أصحاب الحضارات الضاربة جذورها في أعماق التاريخ، وليس الوضع على ما كان عليه باعتبار مجتمعاتنا ثرية وغنية بمواردها الطبيعية التي تحرك الاقتصاد العالمي، فتلك صورة محورية عفى عليها الزمن، غير أن الأسوأ هو الارتباط بإنتاج التطرف والإرهاب بسبب قليل من أبناء مجتمعاتنا لأسباب لا علاقة لها بالجذور التربوية والقيم المجتمعية، فالتطرف، في خلاصته، يعني انتهاء أولئك إلى نهايات انحرفت بالضرورة عن أعراف المجتمعات وقيمها الدينية والإنسانية المتسامحة التي تنبذ العنف وتفضّل العيش في أمان وسلام، دون أن تلحق بالآخرين وتصيبهم بويلات التطرف والإرهاب.

أصبحت الجنادرية، ومثلها من المهرجانات والفعاليات التي يتم تنظيمها بصورة سنوية في جميع دول الخليج، نموذجا للتطور الحضاري في مجتمعاتنا، وهي كفيلة بتأصيل وتعزيز مفاهيم إيجابية وعقلية مناسبة عن حقيقة ثرائنا الثقافي والفكري، ودورنا في دعم البشرية إنسانيا وثقافيا، ومشاركتنا لها قضايا الأمن والسلام بصورة متكافئة وليست مختلة لأن الآخر يعاني فوبيا وتوهمات بسبب أفعال غير منطقية لا يمكن أن تنسحب على كل المجاميع البشرية في منطقتنا، التي تؤكد من خلال التواصل معها أنها أكثر رقيا من أن تتواضع في العقلية الأخرى وتقف عند مشاغبات إرهابية قائمة على انحرافات نفسية وتطرف ديني لا يمثل المجتمعات ويخرج عن ثوابتها.

من واقع الفعاليات والمشاركات والحوارات التي كانت تجري في الجنادرية كان من المهم أن نقدم رؤية متقدمة لتطورنا وثقافتنا والوجه الحقيقي لطبيعة مجتمعاتنا وأفرادها، بعيدا عن تلك الصورة التي ترحل عبر الأثير وقد علاها الكثير من الغبار والتشويه، إننا في الواقع نجحنا بامتياز من خلال الجنادرية، والفعاليات الدولية في غيرها من دول الخليج، في عكس أجمل الصور التي تتناسب مع طبيعتنا وقيمنا ودورنا، فأرضنا مهد الحضارات ومنبع التراث والثقافة والأصالة، ولا يزال هناك الكثير الذي لم يكتشفه الآخرون عن بلداننا ومواردها، إذ لا يقتصر الأمر على الطاقة والعوائد المالية والرفاهية وكأن الخليجي عبارة عن صرافة متحركة، وإنما هو فرد حضاري له مرجعياته الثقافية والفكرية ويمتلك طاقات إبداعية في المعرفة والعلوم المختلفة.

لقد مضى الزمن الذي يُحبس فيه الخليجي في صورة مائعة ومهزوزة ومرتبكة، وقد قدمت هذه المهرجانات والفعاليات كل الخطوات الضرورية إلى الأمام في ذهنية الآخر لإعادة اكتشافنا والنظر إلينا بصورة منصفة تتناسب مع الحقيقة، وهي تجاوزت بذلك كل النظم الاتصالية التي عجزت عن تغيير الصورة الملتبسة القائمة على تصرفات وسلوكيات تتناقض مع واقعنا الذي يرتكز إلى أفكار سلمية متصالحة إنسانيا ومتسامحة وفقا للمعطيات الدينية والمجتمعية والبشرية، حيث تقدم نموذجا للترابط والتعايش واحترام الآخر، فلدينا من الأسس ما يجعلنا أكثر فعالية على الصعيد الإنساني، ونستحق رؤية وانطباعات أفضل من السائدة لدى الرأي العام الدولي.

كاتبة سعودية

9