الجنادرية من الحرس إلى الثقافة

مثقفون سعوديون يجمعون على أن تأسيس وزارة الثقافة واستقلال الأنشطة الثقافية، التي تنهض بها جهات أخرى تحت مظلة واحدة هي مظلتها، هو أمر سينعكس بالثراء على هذه الأنشطة.
السبت 2019/08/10
حدث ينتظره السعوديون بشغف كل عام: فكيف سيكون الحال مع الدورة الـ34

عقدت وزارة الثقافة السعودية في السادس عشر من يوليو الماضي ورشة عمل مع مسؤولين من وزارة الحرس الوطني وخبراء ومختصّين، لمناقشة تحسين وتطوير مهرجان التراث الوطني (الجنادرية) الذي ستقيمه وزارة الثقافة للمرة الأولى، بعد أن قرّر مجلس الوزراء نقل المهمات المتعلقة بإقامة وتنظيم فعالياته من وزارة الحرس الوطني إلى وزارة الثقافة. وانعقدت الورشة بمركز الملك فهد الثقافي بالرياض بحضور 22 مسؤولا لبحث استعدادات انطلاق المهرجان المتوقّع أواخر العام، حيث بحث المجتمعون سبل تحسين البرنامج الثقافي في المهرجان بنسخته الرابعة والثلاثين، كما ناقشوا الفرص السانحة للمبادرات الثقافية والفنية، وآليات تطوير البرنامج بما يتوافق مع أهداف الوزارة، لتحقيق تطلعاتها المستقبلية.

في هذا الاستطلاع تأمل صحيفة “العرب” التوقف على مرئيات شريحة من المثقفين السعوديين حول قرار انتقال مهرجان الجنادرية من إدارة الحرس الوطني إلى وزارة الثقافة، وهل سيضيف هذا الانتقال عمقاً جوهرياً في هوية المهرجان وأعماله وفعالياته المختلفة ضمن رؤية الوزارة 2030، أم أنه لا يعدو انتقالا إداريّا، سيعزّز من الحالة البيروقراطية ضمن مهام وزارة الثقافة الجديدة التي تتسع يوماً بعد يوم.

رهان الوزارة

بدايةً، يرى القاص محمد الشقحاء أن سبب تميّز المهرجان الوطني للتراث والثقافة الجنادرية خلال السنوات الطويلة الماضية يعود إلى أن المشرفة عليه هي مؤسسة عسكرية (الحرس الوطني)، وأن انتقاله إلى وزارة الثقافة -وهي مؤسسة جديدة حتى الآن- سيحتاج للاختبار، حيث ما زالت الوزارة تخطط لاستراتيجيتها، وحيث لا يزال مدراء بعض الأقسام ينتظرون خطة العمل، مثل فرقة الموسيقى الوطنية وفرقة المسرح الوطني.

يقول الشقحاء “نجح الحرس الوطني -قيادة وأفرادا- من خلال الجنادرية في تقديمنا للعالم، ووزارة الثقافة تملك طموح رؤية المملكة العربية السعودية 2030، وتسعى إلى تفعيل الجانب الثقافي من منظور الفترة. ومهرجان الجنادرية خلال دوراته السابقة كان تراكما إنسانيّا شكّل بصمة في ذاكرة الوطن، وفي ملفات الحرس الوطني”.

ويتساءل الشقحاء عن ورشة العمل الاستعدادية لمهرجان الجنادرية قائلا “هل اجتمع المنتسبون لوزارة الثقافة، وعدد من منسوبي وزارة الحرس الوطني لنقل الفكرة والفعاليات من راعٍ قديم للراعي الجديد، فالنقاش كما أتوقّع لم يخرج عن لحظات تسليم واستلام الجنادرية لفعالية حجمها على مستوى الوطن، فهل نعي هذا”.

السعوديون يتطلعون لجنادرية جديدة برؤية عصرية
السعوديون يتطلعون لجنادرية جديدة برؤية عصرية

ويضيف “‏كنت أتمنى إشراف الحرس الوطني على الجنادرية 34 بمرافقة ممثلين للأقسام المعنية بوزارة الثقافة، ولعلنا نتذكر المشاكل التي حصلت في معرض الرياض الدولي للكتاب 2019 الإدارية، وإن لم تؤثر على برنامج المعرض المعتادة، حين تسلمتها وزرة الثقافة من وزارة الإعلام. أتمنى لوزارة الثقافة التوفيق في مهامها، والجنادرية 34 رهان نتمنى كأدباء ومثقفين أن تكسبه الوزارة من أجل الوطن”.

وفي الشأن نفسه تذهب الشاعرة حليمة مظفر إلى أن تأسيس وزارة الثقافة واستقلال الأنشطة الثقافية، التي تنهض بها جهات أخرى تحت مظلة واحدة هي مظلتها، هو أمر سينعكس بالثراء على هذه الأنشطة. وأوضحت للعرب بأن العديد من الفعاليات الثقافية كانت مشتتة بين جهات مختلفة، لا علاقة لها بالعمل الثقافي، ومن أهم هذه الفعاليات مهرجان الجنادرية الذي انتقل مؤخراً إلى وزارة الثقافة. وترى مظفر بأن هذا الانتقال من شأنه أن يركز بشكل كبير على تطوير المهرجان وإخراجه في قوالب تُثري الفعاليات الثقافية، وتعزّز بصمته الدولية وهو عمل وزارة الثقافة.

تقول “حتى الآن، وزارة الثقافة لا تزال في طور التأسيس، وهي بحاجة إلى استقطاب خبرات إدارية ثقافية قادرة على إدارة هذه الفعاليات الكبرى، وليس فقط إلى مثقفين، فالعمل في المجال الثقافي أكثر الأعمال خصوصية، وليس كل مثقف إداري، كما أنه ليس كل إداري مثقف. وهنا، يكمُن سرّ المعادلة في إنجاح العمل أيّا كان، ومنها هذا المهرجان الذي سيحتاج إلى توظيف أصحاب القدرة، ووضعهم في المكان المناسب لاستثمار طاقتهم كي يستطيعوا الخروج بنسخة جديدة ومتطوّرة عمّا كنّا نعرفه عن مهرجان وطني ثقافي دولي له بصمة العربية”.

وتضيف مظفر “لا أستطيع أن أحكم الآن على ما ننتظره في مهرجان الجنادرية حتى نرى النسخة المنتجة منه برعاية الوزارة المجتهدة والطموحة، وأعتقد -إن شاء الله- أنها قادرة على التحدّي والنجاح فيه، كما نجحت في تأسيس مهرجان طنطورة بالعلا، وقدّمت وجها حضاريا ثقافيا، وإن كانت هناك أخطاء في التجربة الأولى فهذا هو الطبيعي. وأنا أتوقّع أن الموسم الثاني سيتم تجاوزها، وستحقق نجاحا أكبر، وستكون لها بصمة التميّز في كل الفعاليات التي تقدمها”.

مهرجان روتيني

هل سيضيف انتقال مهرجان الجنادرية من إدارة الحرس الوطني إلى وزارة الثقافة عمقاً جوهرياً في هوية المهرجان وفعالياته
هل سيضيف انتقال مهرجان الجنادرية من إدارة الحرس الوطني إلى وزارة الثقافة عمقاً جوهرياً في هوية المهرجان وفعالياته

بصورة لا يسكنها التفاؤل يشير الفنان التشكيلي عبدالعظيم الضامن بأنه منذ تأسيس مهرجان الجنادرية وهو مشروع ثقافي كبير، اتسع في سنواته الأولى، وكان للفكر والفن نصيب كبير، لكنها بعد ذلك أصبح -حسب تعبيره- مجرد مهرجان روتيني.

ويوضح الضامن رأيه بالقول “اليوم -ونحن نتطلع لجنادرية جديدة برؤية عصرية- يجب علينا أن نؤمن بمبدأ التفكير بالأثر الذي يتركه المهرجان على المجتمع السعودي، الفنون الشعبية بكل ما تعنيه هي قيمة تراثية غنية، وجودها مهمّ كما هو أهمية الحرف الشعبية والحكايات الشعبية والفنون البصرية والشعر، والندوات الفكرية. ولا أظن أن وزارة الثقافة تستطيع استيعاب كل هذا، إضافة إلى مهماتها التي هي للآن غائبة عنها، ولا نعرف كيف ومتى ستبدأ مهمتها نحو الثقافة المحلية”.

ويضيف “نحن كفنانين تشكيليين لا نعلم لليوم كيف نتواصل مع الوزارة، ومع من نتواصل، فكيف ستكون الجنادرية في رحم وزارة الثقافة الفتية التي كما يبدو أن كثيرا من الملفات ستكون على عاتقها، ومنها معرض الكتاب، ومتاحف الفنون، ودمج جمعية الثقافة بالأندية الأدبية التي هي بأمسّ الحاجة للقرار العاجل بهذا الدمج، ليبقى مركزا ثقافيا في كل منطقة، لعله أجدى وأنفع من كل المهرجانات”.

وفي الجانب نفسه يؤكد الفنان التشكيلي عبدالوهاب عطيف بأن انتقال فعالية بحجم مهرجان الجنادرية إلى عهدة وزارة الثقافة -التي مازالت في مرحلة لم تتضح بعد بصماتها على المشهد الثقافي- يعدّ تحديا كبيرا للوزارة، يقول عطيف “المهرجان ليس معرضا للكتاب، بل هو فعاليات متنوعة مرتبطة بأكثر من جهة، تتطلب تنسيقا عاليَ المستوى، وفرق عمل مؤهلة لا تعتمد على المحسوبيات التي يعاني منها المشهد الثقافي، ولم نلمس حتى الآن دورا لوزارة الثقافة في معالجتها بل مازال وضع الجمعيات والمراكز الثقافية معلقاً بين الواقع ورؤية الوزارة. من هنا أرى أن نجاح الوزارة يتطلب اختيار الفريق المؤهل دون النظر إلى أي اعتبارات أخرى. وكذلك البرامج التي تمثل تغييرا ملموسا يؤكد أن الانتقال ليس مجرد انتقال إداري للمهرجان، بل هو نجاح جديد باتجاه 2030”.

إعادة الوهج

التحديث والتغيير سمة حضارية
التحديث والتغيير سمة حضارية

من جانبه يقول الكاتب د. حسن مشهور “في 1985 كانت انطلاقة المهرجان الوطني للتراث والثقافة الذي عرف لاحقا بمسمى الجنادرية نسبة لجغرافيا المكان الذي يقام فيه، ولقد ركّز في عمله على إبراز الموروث الوطني للمملكة العربية السعودية الذي يتسم بالتنوّع والثراء النوعي، إلى جانب إيجاد صيغة للتلاحم بين الموروث الشعبي بمختلف أنواعه وبين المنجز الحضاري الذي تعيشه مملكتنا الحبيبة ويطالعه كل مواطن سعودي، ولقد اكتسبت الجهة المنظمة -أي الحرس الوطني- خبرة نوعية تشكلت عبر المتتالية الزمنية لانطلاقته الأولى، إلا أنه في السنوات الأخيرة قد أصبحت نشاطاته تتسم بالرتابة والتكرار، ولكون هذا المهرجان يتعلق في واقعه بالممارسة الثقافية على اختلاف أنواعها؛ فالمنطقية الفكرية تحتم ردّه للجهة المفترضة لرعايته، أي وزارة الثقافة، حيث ستتمكن -عبر لجانها وفرقها المتنوعة من المثقفين المختصين في شتى أنواع الموروث الثقافي- من أن تعيد له وهجه وتعزز وجوديته وتستعيد حضوريته، وهي تلك الحضورية التي قد بدأت تضعف في العقل الفاعل للمواطن السعودي جرّاء تراجع وهج وحضور المهرجان في السنوات الأخيرة.

وفي تعليق من الكاتب عمر فوزان الفوزان يقول “بداية، في كل دول العالم، المهرجانات التراثية، أو بالأحرى الثقافية، من اختصاص وزارة الثقافة. قد لا تلام الدولة لكون وزارة الثقافة استحدثت مؤخراً. لذا فنقله لوزارة الثقافة هو عين الصواب بالتعاون مع الوزارات الأخرى، كل في مجال اختصاصه. صحيح، إن المهرجان بإيجابياته وسلبياته مر بمراحل قد يرقى الكثير منها على رضا المهتمين بالتراث والثقافة بشكل عام، ولكن يلاحظ في السنوات الأخيرة أن برامجه ونشاطاته روتين واحد، لا يرقى للتجديد، فتحوله لجهة الاختصاص قد يكسبه شكلا جديدا يروق للمشاهد، ويعطي انطباعا أكثر تنوعاً وشمولية، فمنسوبو الحرس الوطني يشكرون على جهودهم السابقة رغم ما تشوبه من سلبيات قد تكون جهة التنظيم تفتقر للاختصاص، وخاصة بالجانب الثقافي لذا لا بد أن يؤدي هذا الانتقال لجهة الاختصاص إلى خروجه بثوب جديد خاليا من الروتين والبيروقراطية، لذا يجب ألاّ تكرر الأخطاء السابقة، وأن تتوافق ميزانيته مع ما يقدّمه من فعاليات تراثية وثقافية بشكل عام، لذا يجب أن يجسّد المهرجان الماضي والحاضر والمستقبل وفق رؤية 2030 مهتما بالأشياء المادية للتراث، والأشياء غير المادية، كالفكر والأدب والفنون بأنواعها والمسابقات والمحاضرات والندوات والحرف اليدوية وغيرها. وكذلك البرنامج العام للمهرجان؛ يجب أن يواكبه التغيير نحو الأفضل لتعمّ الفائدة، فمهرجان الجنادرية لوحة مصغّرة عن الوطن تحاكي الماضي والحاضر والمستقبل”.

ويتابع الفوزان “يجب أن يتخطى المهرجان روتين وبيروقراطية الماضي، فالتحديث والتغيير سمة حضارية، كما التنوع أسلوب حديث يجمّله ويكثر من زواره، فالإدارة الجادّة سوف تتلاشى أخطاؤها في كل مرة، وبالتالي يصل المهرجان للذروة، فلا بد من خلق بيئة لبيوت المناطق مشابهة لبيئة الماضي ووفق لمسات عصرية تتوافق مع الحاضر والمستقبل. لذا أتوقّع أنه سوف يكون من المستحسن احتضان وزارة الثقافة له وفق حسن الاختيار لمنسوبيه والاستفادة من تجارب الآخرين، والاستفادة من المثقفين بالوطن وفق الاستشارة لإحداث الجديد”.

يذكر أن مهرجان الجنادرية هو  مهرجان وطني تراثي ثقافي انطلق منذ 1985 تحت إشراف وزارة الحرس الوطني لمدة 34 سنة، حتى أُسندت إقامة فعالياته هذا العام إلى وزارة الثقافة، ويضمّ المهرجان فعاليات ثقافة وفكرية ومعارض للفنون التشكيلية والبصرية والنحت وفنون بصرية وأدائية مختلفة، بالإضافة إلى قرية متكاملة للتراث المحلي السعودي الذي يعبّر عن طبيعة الحياة الفلكلورية في مناطق المملكة خلال القرن الماضي.

آراء مثقفون سعوديون في القرار

15