الجنادرية وعسير.. خضار في الأرض وثبات في الهوية

تقفل الحكاية الشعبية السعودية وهي تتحدث عن أبطالها الصغار وتحدّثهم بعد أن كابدوا المحن وانتهوا بالانتصار على قوى الشرّ، سواء كانت من بني آدم أو من السعالى والغيلان “وعاشوا في ثبات ونبات وولدوا أولاد قمر وبنات قمرات”، غير أنّ ثنائية الثبات والنبات تختزل عصارة التراث السعودي الذي تسنّى لنا مشاهدته في قرية الجنادرية التراثيّة في ضواحي الرياض بمناسبة المهرجان الوطني للتراث في نسخته الثلاثين هذا العام.
الاثنين 2016/02/15
أسوار تحصن التراث السعودي الخصب

ثبات في الأرض والبيئة والمحيط ونموّ النبات وترعرعه في سائر مظاهر الحياة التي تعكسها التعبيرات الفلكلورية والفنية والتشكيلية. لكلّ جهة من جهات المملكة مترامية الأطراف جناحها الخاص بها الذي يعكس طابعها المعماري المميز، تعرض فيه ما توارثته جيلا بعد جيل وعبر العصور من المنتوجات والإبداعات التراثيّة والحرف المختلفة.

لا يكفي مؤلف واحد ولا تأمّل سنة كاملة في ما شاهدته عيناي ذلك المساء من المعروضات للإلمام بكلّ تراث المناطق المختلفة للمملكة، فما بالك بأمسية واحدة لا تغني ولا تسمن من جوع وأكتفي بالوقوف بملاحظاتي حول جناح عسير، الذي عمل الفنان التشكيلي سلطان عسيري بعد أن أراني بعض إبداعاته الرائعة المستلهمة من تراث عسير على مساعدتي على الإلمام ببعض مكوناته لا سيما المعمارية منها.

استقبلني شابان باللباس التقليدي العسيري ببشاشة وترحاب مهلّلين “يا هلا يا هلا بتونس الخضراء في عسير الخضراء” وقد راقت هذه المماثلة بين تونس الخضراء في شمالها وخضرة السعودية في جنوبها، لا سيما في منطقة عسير للفنان التشكيلي سلطان، الذي استرسل وهو يطوف بي في جناح المعرض في حديث عميق دقيق حول الطابع المعماري للمنطقة.

تتميز قرى منطقة عسير بوجود حصن في كلّ واحدة منها يشبه القلعة، تارة يتوسط منازل القرية، وطورا يكون على مشارفها وأطرافها. وتكمن أهمية الحصن التاريخية في طابعه الحمائي والوقائي باعتباره شكّل في الأزمة الماضية برج مراقبة لصدّ عدوان أو غزو خارجي يتهدّدها. توجد في عسير الكثير من المباني القديمة العالية تسمى الواحدة منها حصنا أو قصبة، وهي مبنية بالطين، أو الحجارة أو بخليط منهما.

المعمار العسير القديم تميّز بسمات خاصة به في السعودية وكانت لأهالي عسير أساليبهم المتفرّدة في بناء بيوتهم ومساجدهم وحصونهم وقلاعهم

وقد صممت مداخلها تصميما محكما دقيقا ما يعسّر من عملية اقتحامها. ولعلّ تسمية عسير ذاتها قد اشتقت من طبيعة المنطقة التي كانت عصيّة على أعدائها، باعتبار مناعتها الجغرافية التي استمدّتها من جبالها وشعابها دون إهمال طابعها المعماري المجسّد في قصباتها وحصونها العصيّة عن الاقتحام.
إن وظيفة الحصون لم تكن المراقبة والدفاع فقط، وإنّما استعمل بعضها لحفظ الحبوب وعلف الحيوانات. وللحصن قاعدة مربعة أو مستطيلة، وهو أكبر مساحة وأضخم من القصبة، أما القصبة فغالبا ما تبنى على المرتفعات وتكون لها قاعدة دائرية، وفي حين لا تتسع القصبة إلّا لنزر قليل من الرجال يرابطون فيها للمراقبة والدفاع في فترات التأزم والتوتر، فإنّ الحصون تتسع لعدد كبير من الناس الذين بإمكانهم الإقامة فيها. وتشير الدراسات إلى أنّ أهل عسير، مثلهم في ذلك مثل سكان ما بين النهرين القدامى، كانوا يعمدون أحيانا إلى إشعال النار وإطلاق الدخان إيذانا بالخطر.

ويحرص أهالي عسير من أصحاب الحصون والقصبات عليها حرصا كبيرا لتكون قوية منيعة وجميلة، ويزينون أبوابها ومنافذها وأجزاء من واجهتها بأحجار المرو، كما يسمونها بأسماء دالة ورمزية من قبيل التفاؤل والاحتفال بالحياة مثل “حصن بهجة”. وما زال البعض من أهالي عسير يقيمون فيها أو قربها إلى اليوم، ويستخدمونها في أغراض يومية أخرى كحفظ مؤنهم وأمتعتهم المختلفة.

في عسير توجد الكثير من المباني القديمة العالية تسمى الواحدة منها حصنا أو قصبة، وهي مبنية بالطين، أوالحجارة أو بخليط منهما

وللحصون والقصبات نوافذ صغيرة للإضاءة والتهوية توجد عادة في الأعلى، حيث يعمل أصحابها على وضع الأعشاب الشائكة فيها حتى لا تتسرّب منها الطيور أو الحيوانات الصغيرة إلى داخلها. وقد يملك الحصن أو القصبة شخص أو أسرة، كما يمكن أن يكون ملكا لأهل القرية كلّهم، وعندها تستعمل كل جماعة طابقا من البناء.

تميّز المعمار العسير القديم بسمات خاصة به في المملكة العربية السعودية، وكانت لأهالي عسير أساليبهم المتفرّدة في بناء بيوتهم ومساجدهم وحصونهم وقلاعهم؛ فقد استخدموا في الغالب الطين والحجر بألوانهما المختلفة بما في ذلك الأسود والخشب المتوفر في غابات المنطقة بكثرة.

يُخلط الطين عند البناء بالماء والتبن والأعشاب قبل أن تدوسه الأقدام وحوافر الحيوانات أسبوعا أو أكثر بهدف عجنه وتقليبه حتى يكون شديد التماسك والمتانة، ثم تعمل فيه الأيادي عملها لتصيّره قطعا صغيرة تشكل مداميك البناء. كما يستخدم الطين أيضا في طلي الجدران من الداخل، وأرضيات الغرف والممرات والأدراج وتغليفها، وكذلك في تغليف أغصان الشجر وجذوعه المستعملة في بناء السقف.

أما الحجر فيتم تقطيعه في المقالع، أو جمعه من السهول والأودية، وقد تستخدم قطع من الحجر الصغير لسد الفراغات بين الأحجار الكبيرة إذا لم يقع استخدام الطين في الغرض نفسه، وذلك بعد أن يقع تثبيت الأحجار الكبيرة في مكانها. ويستعمل الحجر في بناء الجدران الرئيسية للمبنى والفواصل بين الغرف سواء كانت في الطابق الأرضي، أو في الطوابق العلوية، كما تستعمل الأحجار المسطحة في تغطية بعض الأسقف والأرضيات المبلّطة. أمّا المنازل فتكون متلاصقة سواء في القرى المنتشرة على قمم الجبال، أو السفوح لا طلبا للأنس فقط وإنّما كذلك لتوفير أكثر ما يمكن من الأراضي الصالحة للفلاحة، وعادة ما يربط بينها مسلك ضيق أو زقاق. وللأزقة أبواب قديمة تقود إلى خارج القرية، كانت تفتح قديما في الصباح وتغلق في المساء على عادة المدن العربية والإسلامية القديمة حفاظا على أمن سكانها وحماية لهم من الغرباء.

ويلاحظ أن أكثر المساكن في عسير تضيق كلما ارتفعت الجدران بحيث يصير شكل البناء كالهرم الناقص. وقد بنيت هذه المباني بالطين أو الحجر أو كليهما، ولهذا الشكل ميزة بالإضافة إلى جماله، وهي أنه يجعل للمبنى قاعدة عريضة تثبته.

في عسير “ثبات ونبات”، ودّعت جناحها في الجنادرية وأصحابه الطيبون يدعونني ويدعون أهل تونس الخضراء إلى زيارة عسير الخضراء كما ورد على لسانهم للتمتع باعتدال طقسها في الصيف و بثلوجها في الشتاء.

12